قال الشيخ طه حسين في كتابه ذكرى أبي العلاء: " كان أبو العلاء يحرص أشد الحرص على أن يخفي نفسه على القارئ في بعض رسائله، ولكن شخصه كان يأبى إلا الظهور. وكان يلقي بينه وبين القارئ أستاراً صفيقة من غريب اللفظ، وحُجُبَاً كثيفة من ثقيل السجع، ويقيم حوله أسواراً منيعة من المباحث اللغوية والصور الدينية، ولكن عواطفه الحادة تأبى إلا أن تخترق هذه الموانع كافة لتصل إلى قلب القارئ فتترك فيه ندوباًً ولدغات؛ الجمر أخف منها وقعاً، وأهون احتمالاً"
وهو أسلوب لا شذوذ فيه كما ترى. ولكن اقرأ الآن الفقرة الآتية من كلام (الدكتور طه حسين) في نفس الموضوع والمعنى:
قال: " ذلك أن أبا العلاء كان - كما تعلم - من أشد الناس إيثاراً للغريب وتهالكا عليه. ثم كان أبو العلاء إلى هذا - فيما اعتقد أنا - يتكلف الغريب، ويتعمده ليصد عامة الناس وجهالهم – سواء في ذلك العلماء وغير العلماء- عن قراءته والظهور على ما فيه. وكأن أبا العلاء كان لا يكتب لعصره، وكأن أبا العلاء كان يحس أن عصره خليق ألا يكتب له، وكأنه كان يكتب لهذا العصر الحديث الذي نحن فيه وللعصور التي تليه، وكأنه كان يخشى على آثاره الأدبية أن يفهمها أهل زمانه فيفسدوها ويشوهوها ويحولوا بيننا وبين فهمها، وكأنه إنما أقام من الغريب وقواعد النحو والصرف والعروض والقافية طلاسم وأرصاداً شغل بها أهل عصره عن هذا الكنز حتى لا يصلوا إليه، وحتى تسلم لنا نحن خلاصته، فنترك للقدماء نحوهم وصرفهم وغريبهم وعروضهم وقوافيهم، ونفرغ لخلاصة هذا الكنز من فلسفة في الخلق والجماعة والدين ".
ثم اقرأ للشيخ طه حسين قوله من ذكرى أبي العلاء أيضاً " من قرأ رسالة الغفران وأراد أن يفقه معناها حق الفقه احتاج إلى دقة ملاحظة، وحذق فطنة، وبعد نظر، ونور بصيرة، وإلى أن يدرس روح الكاتب فيحسن درسه ويعرفه أغراضه، فإذا لم يوفق إلى ذلك مرت به رسالة الغفران وهو يظنها من أقوم كتب الدين ".
وقس هذا إلى ما كتبه الدكتور: "أراد أبو العلاء أن يتفكه، وأراد أبو العلاء أن ينقد، وأراد أن يكفر، وأراد أن يؤمن، ولست أحتاط في لفظ ولا أتحرج من معنى، وإنما أريد أن أكون حراً فيما أفهم وفيما أقول، فالحرية وحدها هي السبيل إلى فهم أبي العلاء هذا كله، أراد أن يتفكه فتفكه إلى غير حد، وأراد أن ينقد فنقد في غير رحمة، وأراد أن يكفر فكفر بغير حساب، وأراد أن يؤمن فآمن في غير شك. أراد هذا كله ووفق إلى هذا كله أحسن توفيق الخ".
وإنما أكثرت من المقتطفات ليتيقن القارئ أن الكاتبين شخصان مختلفان، ولا عجب أن يكونا كذلك فإن الأسلوب صورة من النفس.
4 - وهكذا صار عندنا من المشتركين في حمل هذا الاسم ثلاثة أشخاص متباينين: شيخ وأفندي ودكتور. ويظهر أن هناك أكثر من دكتور طه حسين واحد. ففي بعض المقالات المعزوة إلى هذا المتسمي (الدكتور طه حسين) تنويه بأن كاتبها كفيف، وفي البعض الآخر ما يفيد أنه مبصر، فهو يقول: (قرأتُ ورأيتُ وشهدتُ) وما إلى ذلك من الألفاظ الدالة على الرؤية، ويصف لك بعض المشاهد لا تخيلاً بل كما هي كائنة، مثال ذلك بعض رسائل بعث بها من فرنسا وفيها يصف مناظر البلدان، ومقالات عن روايات شهد تمثيلها ولم يقتصر في كلامه عنها على تناول القصة بل جاوز هذا إلى التمثيل والأداء.
5 - ومما يؤكد هذا التعدد أيضاً في الشخصيات: أن لأحد هؤلاء الدكاترة – فإنهم على ما يبدوا لي كثر – أبناء يسميهم أسماء إفرنجية، وأن الصحف المحفوظة في دار الكتب مختلفة فبعضها يقول: الشيخ طه حسين، والبعض يذكر: الدكتور طه، وواحدة تزعمه أستاذاً في الجامعة، وأخرى صحفياً، ومعروف أن قوانين ذلك العصر لا تجيز أن يكون المرء موظفاً في جامعة أميرية وصحفياً في الوقت عينه. و أحد هؤلاء الدكاترة كان مولعاً باللاتينية واليونانية وكان يلح على وزارة المعارف أن تدرسهما في المدارس الثانوية ولا يكاد يتفق ذلك مع الصبغة الأزهرية الأولى. أضف إلى ذلك أن (الشيخ طه حسين) كان ذا لحية، وأن دكتور الجامعة أو الصحفي كان أفندياً حليقاً،
فالأمر كما ترى لا يعدو إحدى اثنتين: إما أن يكون هناك أشخاص عديدون بهذا الاسم، وهو غير محتمل؟، أو أن يكون هذا الاسم مستعاراً، وهو الأرجح ...
يتبع ...
ـ[أبوالليث الشيراني]ــــــــ[04 - صلى الله عليه وسلمug-2009, مساء 05:04]ـ
أأنت الذي في "الساخر"؟
أم , لا؟
ـ[علي أحمد عبد الباقي]ــــــــ[05 - صلى الله عليه وسلمug-2009, صباحاً 02:52]ـ
أخي الحبيب - حقيقة - لم أر عبقريًا يفري فريك.
يا أخي حقيقة إنك وإن كنت الأخير زمانه فقد أتيت بما لم يستطعه الأوائل
ومن يستطيع مثل ما خطت يمينك؟!!!!!!!!!!!!!
ـ[أبو الفرج المنصوري]ــــــــ[05 - صلى الله عليه وسلمug-2009, صباحاً 11:02]ـ
هات ما عندك أيها المحب، والتعليق يكون في آخر كلامك!
ـ[محب الأدب]ــــــــ[05 - صلى الله عليه وسلمug-2009, صباحاً 11:32]ـ
أخي الحبيب - حقيقة - لم أر عبقريًا يفري فريك.
يا أخي حقيقة إنك وإن كنت الأخير زمانه فقد أتيت بما لم يستطعه الأوائل
ومن يستطيع مثل ما خطت يمينك؟!!!!!!!!!!!!!
لم تر شيئاً بعد ُ يا صديقي
ولإن طال بك زمان لأجعلنك تضيف أضعاف ما وضعت من علامات التعجب
¥