جواب: تكلم العلماء في الجرح والتعديل بالنسبة لرواة الحديث، وأطالوا في شروط العدالة في كتب المصطلح، وكتب الرجال، وذكروا أنه لا يقبل قول كل جارح أو معدل؛ حيث إن هناك من يتكلم في الرجال بغير علم، فيجرح أو يعدل بمجرد الظن والتخمين، وكذا من يتكلم لمجرد الهوى، فيجرح من يبغضهم أو يعاديهم، ويعدل من يواليهم، ويعرف ذلك بمخالفته لغيره، فكثيراً ما ينفرد البعض بتعديل الراوي، بينما بقية الأئمة جرحوه وطعنوا في روايته، ولا شك أن الكلام في الرجال المسلمين، سيما بعد موتهم، له خطره، وخصوصاً من عُرف بالدين والعبادة، والصلاح والاستقامة، وعرفت مكانته عند الأمة، وظهر له ذكر حسن، ولسان صدق، فإن الكلام فيه من غير تثبت ذنب كبير، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا) رواه البخاري وغيره. وقال: (لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء) رواه أحمد وغيره.

ومتى كان الكلام في الأموات لمجرد الهوى أو الحسد فإنه يكون طعناً في الجارح نفسه؛ حيث إن المجروح قد اشتهر علمه وفضله، وانتشر بين الناس ذكره الحسن، والثناء عليه.

أما إن كان المجروح ضعيف الحديث، وقد تصدى للرواية، فدخل في حفظه خطأ، أو خلل، أو نقل ما ليس بصحيح، فإن الكلام فيه متعين على من عَرَف ذلك، مخافة الانخداع برواياته ونقوله، وهي غير صحيحة، ولذلك كان الإمام أحمد والبخاري ويحيى بن معين، وأبو حاتم الرازي، وغيرهم يتكلمون في المحدثين، ويذكرون ما فيهم من الجرح والطعن، وذلك من باب النصيحة للأمة، لا من باب التنقص لهم، ولا يكون غيبة؛ لأنهم يذبّون عن سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وينقّونها مما دخل فيها؛ فلو سكتوا لاشتبه الصحيح بالضعيف والسقيم، ولم يفرق بين نسر وظليم، فهم مأجورون على كلامهم؛ ولأن أولئك تدخلوا في رواية الحديث بغير أهلية، فوجب بيان حالهم بدون تعصبٍ أو هوى، والله أعلم.

21 - ما توجيهكم لطلاب العلم الذين اشتغلوا بالجرح والتعديل في بعضهم وفي بعض العلماء والأشخاص دون أن يأخذوا للأمر عدته ومتطلباته؟

جواب: لحوم العلماء مسمومة، أي غيبتهم والقدح فيهم يردي من تسرع وطعن في علماء الأمة، ويتوجه الطعن والعيب عليه حتى يهلكه هلاكاً معنوياً؛ وذلك لأن علماء الأمة الإسلامية قد حَمّلهم الله هذا الدين، واختارهم لحمل كتابه وسُنّة نبيه، وذلك شرف وفضيلة تميزوا بها عن غيرهم، وقد عرف الناس قدرهم ومكانتهم المرموقة، واعترفت الدول والرؤساء بفضلهم وتقدّمهم، وولّوهم المناصب الهامة، وصدروا عن آرائهم وتقبلوا نصائحهم واقتراحاتهم، فهم يقومون بأمر عظيم، ويتحملون عن الأمة عبئاً كبيراً، ولو قُدّر أن في بعضهم شيئاً من الخلل والخطأ، فإنهم معذورون، فهم يعرفون ما لا يعرف غيرهم، ويقدرون للأمور حسابها، وليس في استطاعتهم ولا غيرهم إصلاح كل فاسد، ولا رد كل شارد، ولكن بعض الشر أهون من بعض، وقد يظن بهم بعض العامة التساهل والتغاضي عن الشرور الظاهرة، والمنكرات الموجودة، ويعتقد أنهم سكتوا عنها وأقروها، والواقع أنهم قد قاموا بما في الإمكان، ودافعوا عن الأمة والدين الإسلامي، ودفع الله بهم الكثير من كيد الأعداء الحاسدين، ممن يحاول الطعن في ديننا، وإدخال ما يفسد القلوب، من الشرور والأضرار والفتن، فالعلماء يبذلون الجهد في الدفاع عن الإسلام، والتخفيف من المنكرات، ولكن الشرور تتوافد وتتوارد من كل جهة، فتغلب القوى الفردية، ويعتذر من خفف من شأنها، بصعوبة اجتثاثها، وبما في بعضها من مصلحة أو خلاف ولو ضعيفاً يقتضي التساهل بها، ومع ذلك فالسعي جاد في تقوية الحق ونصر الدين بقدر الاستطاعة، والله المعين، فعلى هذا من اشتغل بالطعن في علماء الأمة الإسلامية أو في بعضهم فقد أساء العمل، وجهل الحال فيقال لهم:

أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم من اللوم أو سُدّوا المكان الذي سَدّوا

فعلى طالب العلم أن يشتغل بنفسه، ويتفقد عيوبه، ويسعى في إصلاح نقصه، كما عليه أن ينكر المنكرات بقدر استطاعته، وأن ينصح العلماء ويرشدهم إلى ما يراه الأصلح للحال والمستقبل، ويتصل بكل من رآه مخلاً بشرط، أو واقعاً في خلل، ويبدي له اقتراحه، ويقبل عذره، ويعترف بما يراه من الرأي السديد، وينصح الشباب وطلبة العلم بعدم الخوض في أعراض العلماء، والميل أو التّحيّز إلى جهة أو طائفة لمجرد تعصب أو هوى في نفس، وبذلك تصلح الحال، وتجتمع الكلمة، وتقوى معنويات المسلمين، ويوجهون قوتهم إلى أعداء الدين في البعيد والقريب، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.

----------

الهوامش:

(1) أخرجه البخاري في الصوم (1975)، وأخرجه مسلم في الصيام (1159).

ـ[علي الغامدي]ــــــــ[14 - Jul-2009, صباحاً 03:29]ـ

رحم الله الشيخ ابن جبرين

جزاكم الله خير

لاحرمتم الأجر على تلك الكتابه لشيخ الجليل ابن جبرين

بوركتم

شكرا لمروركم وتعقيبكم وعظم الله أجرنا وأجركم في فقيد امه لاعزاء فيه الا ببركة من بقي من خلفه بيننا بارك الله فيهم وجمعنا وأياه واياهم في مستقر رحمته في جنة الفردوس الأعلى عند مليك مقتدر

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015