مع إصرارهم على الكفر والفسوق والعصيان، يعتبر إقراراً لأفعالهم، وفيه دعوة لغيرهم إلى تقليدهم واتباعهم؛ حيث لم يلقوا من المؤمنين إلا المودة والتقريب، والله قد نهى عن مودتهم، وجعل من والاهم مثلهم، بقوله: ((وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ)) [المائدة: 51] أما إن كان العاصي أو المبتدع متأولاً ويعتقد أنه على صواب، فإن الواجب دعوته، وبيان الحق له، وتأليف قلبه وتقريبه، وكثرة نصحه، وتخويفه وتحذيره، من غير مبادرة إلى الهجر الذي يكون مُنفّراً له عن الخير، ومبعداً له عن مجالس الذكر والعلم، سيما إذا كان هجره وإبعاده يسبب اختلاطه بالأشرار، وامتزاجه بهم، ورسوخ المعاصي في قلبه وابتعاده عن أهل الذكر والخير والعلم النافع؛ مما يسبب قسوة قلبه، وانصرافه عن أهل الفضل والعلم، واعتقاده فيهم التنفير والغلظة والشدة، فمثل هذا متى هجر واستعملت معه القسوة لأول مرة نتج عن ذلك بغضه للصالحين، ونفرته من مجالستهم، واعتياضه عنهم بالأشرار، وإحسانه الظن بهم، لما يجد منهم من التقبل والترحيب والتشجيع؛ وهكذا إذا كان العاصي معترفاً بذنبه، مقراً بسوء فعله، قد غلبت عليه نفسه الأمارة بالسوء، وكذا من يجالسه ويعمل معه من السفهاء؛ فإن ذلك يحدث كثيراً من بعض الجهلة، فأرى أن هجرهم مبدئياً مما ينفرهم، ويسبب منهم التمادي في الغي والضلال، فمن المصلحة تقريبهم وتكرار نصحهم، وتخويفهم، وترغيبهم في التوبة والإقلاع عن الذنوب، سيما إذا وجدت منهم الرقة والتقبل، والوعد الحسن. وقد يجوز الهجر للعاصي إذا عُلم أن الهجر يؤثر فيه، ويسبب إقلاعه عن المعاصي حيث إن هناك الكثير من العصاة يقع منه الذنب الصغير أو الكبير، بلا حاجة ولا دافع نفسي، كحلق اللحية والإسبال، والتكاسل عن الصلاة، وسماع الأغاني، وتعاطي الدخان أو الخمر، وهو مع ذلك متأول، أو متساهل، فمتى هجره أبواه وإخوته وأقاربه، ومقتوه، وطردوه، تأثر لذلك، وعرف خطأه، وكذا إن كان الهاجر له يعز عليه، كأصدقائه وأحبابه، فكثيراً ما يحدث أن يتوب بعد الهجر، ويقلع عن العادات السيئة، فإن كان الهجر لا يزيده إلا تمادياً في السوء، وعملاً للمعاصي، فالمصلحة تقتضي تقريبه، فذلك أخف للشر، وأقل للعصيان، والله المستعان.

19 - كثرة الواجبات أشغلت بعض الدعاة عن بيته، لا سيما إذا كان مشغولاً بما هو فرض كفاية مما يرى أنه متعين في حقه: فهل له في هذا عذر ـ مع اعتبار المصالح والمفاسد في كلتا الجهتين ـ؟

جواب: لا يجوز للإنسان أن يتقبل من الواجبات والأعمال ما هو فوق طاقته، بحيث يشغله عن الحقوق المتحتمة عليه لله أو لعباده، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن عمرو بن العاص: (فإن لجسدك عليك حقاً وإن لعينك عليك حقاً وإن لزوجك عليك حقاً وإن لزَوْرك عليك حقاً) (1) ( http://www.saaid.net/leqa/19.htm#(1)) والحق الذي لزوجه، هو الأنس والمجالسة الكافية، والعشرة الطيبة، وقضاء الوطر، والمبيت المعتاد، ولا شك أن ذلك لا يستغرق جميع وقته، ففي إمكانه أن يقوم بواجبه الوظيفي، ومنه الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ، وزيارة الإخوان، وأداء الواجبات الدينية، ومنه الإتيان بما يقدم عليه في نهاره أو ليله من فروض الكفاية، سيما إذا رأى غيره لم يقم بها، وأصبحت متعينة في حقه، ولو كانت تحتاج إلى سفر بعيد أو قريب، كالمحاضرات، والندوات، والنصائح، وتغيير المنكرات، والأمر بالمعروف، وإبداء الآراء والاقتراحات عند من يقبلها؛ وذلك لما فيها من المصالح العامة للمسلمين، وما فيها من نصرة الدين، وقمع العصاة والمنافقين، ومع ذلك كله فلا يهمل أهله وذريته، فقد ورد في الحديث: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يمون) وفي لفظ: (أن يحبس عمن يمون قوته)، وعليه أن يقنع أهله وزوجاته بما يحصل لهم من نفقة، أو إقامة، إذا تحتم عليه السفر أو الانشغال، والله أعلم.

20 - ما الشروط المعتبرة للشهادة بعدالة الرجل؟ وهل يمكن الاكتفاء فيه بقول معدل واحد؟

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015