أقول: إنني معترف بالنقص والقصور، وقلة التحصيل، وضعف المعلومات، وكثرة النسيان، وضياع الكثير من العمر في غير فائدة؛ فعندما أقرأ في تراجم بعض العلماء كالشافعي وأحمد وابن راهويه، والبخاري، وابن معين ونحوهم، أعرف الفرق الكبير، والنقص الجلي في نفسي، وأن لا نسبة إلى أحدهم ولو من بعيد، وكذا عندما أقرأ في مؤلفات بعض العلماء الربانيين، كابن قدامة، وابن تيمية، وابن القيم، وأمثالهم ممن فتح الله عليهم، وألهمهم العلم والفهم، والإدراك والذكاء والفطنة، أرى ما منحهم الله ووفقهم له مما لا أصِلُ إلى عُشر معشاره، ولا أحلم بإدراك معلوماتهم، ولو بعد التأمل والتفكر، وهكذا عندما نسمع سيرة إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبنيه وتلامذته، ومن تبعهم، ونقرأ في رسائلهم ومسائلهم، نرى ما وهبهم الله ـ تعالى ـ، وما منحهم من العلم النافع، والفهم الثاقب، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

نشأة الشيخ:

ثم أقول إنني نشأت في قرية (الرين) التابعة للقويعية، وفي كل صيف غالباً أكون في قرية (محيرقة) من قرى (القويعية) فابتدأت بتعلم القرآن والهجاء من والدي ـ رحمه الله ـ، ومن إمام جامع محيرقة العم سعد بن عبد الله بن جبرين ـ رحمه الله ـ، وذلك في سنة تسع وخمسين من القرن الرابع عشر الهجري، وفتر العزم عن الحفظ؛ حيث لم يكن من يتابع معي، فلم أكمل حفظ القرآن إلا في سنة ثمان وستين، وقد قرأت قبل ذلك على والدي ـ رحمه الله ـ في النحو والفرائض والحديث، وبعض الكتب المطولة، فبعد إكمال حفظ القرآن ابتدأت في القراءة على فضيلة قاضي الرين، الشيخ عبد العزيز بن محمد الشثري، وشهرته (أبو حبيب)، وواصلت القراءة عليه في المتون والشروح في التوحيد والعقيدة والحديث والفقه والتفسير، وحصل بذلك خير كثير، ثم في عام أربع وسبعين انتقلنا إلى الرياض؛ حيث فتح معهد إمام الدعوة العلمي، وانتظمت فيه، وكانت قراءتنا في الصباح على سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ، وفي أثناء النهار على غيره من المشايخ كإسماعيل الأنصاري، وحماد الأنصاري، وعبد العزيز بن رشيد، ومحمد المهيزع وغيرهم ـ رحمهم الله تعالى ـ، ونقرأ في المساء على سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز بعد العصر وبعد المغرب، وأنهيت الدراسة النظامية في عام 1382هـ، ومنحت الشهادة العالية من المعهد، وتعادل الجامعة، وفي عام 1388هـ انتظمت في المعهد العالي للقضاء حتى عام 1390هـ، حيث منحت شهادة الماجستير، بعد أن قدمت رسالة في أخبار الآحاد وهي مطبوعة، وفي عام 1407هـ حصلت على الدكتوراه؛ حيث قمت بتحقيق شرح الزركشي على مختصر الخرقي الذي طبع بعد ذلك بتحقيقنا في سبعة مجلدات. والله الموفق.

2 - لو أردنا المقارنة بين ذلك الوقت، وبين اليوم؛ من حيث إقبال الشباب على العلم، فهل نجد فوارق بارزة بين المرحلتين، وهل كانت تتوسطهما مرحلة أخرى تتميز عنهما؟

جواب: لا شك أن هناك فوارق كبيرة لها تأثيرها في كل من المرحلتين، ولكل منهما ميزة ظاهرة، فقبل خمسين عاماً كان في هذه المملكة قلة في العلماء الربانيين البارزين، سيما في القرى والبلاد النائية؛ وذلك لأن طلاب العلم أفراد وأعداد قليلون وتغلب العامية على الأكثر؛ وذلك لأنهم عاشوا في فقر وفاقة، وشظف عيش، وقلة في الإمكانيات؛ فالمواطنون يهمهم الحصول على لقمة العيش، فالبوادي الرحل يتبعون مواضع القطر لمواشيهم التي بها معاشهم ومعاش عوائلهم، فهم أميون، لا يقرؤون ولا يكتبون، وأكثرهم جهلاء، قد لا يحسنون قراءة الفاتحة، ولا صفة الطهارة والصلاة، إلا ما شاء الله، وأهل القرى منشغلون بتحصيل الرزق والقوت، إما في حرث وغرس فيعملون طوال الوقت في السقي والحرث، والأبر والغرس والإصلاح، وإنما يتفرغون لأداء الفرائض جماعة، وسماع ما يقرأ في الصلاة، ولا يجدون غالباً من يلقنهم تعاليم الدين، وآخرون أهل صناعة من الصناعات اليدوية، كحدادة ونجارة، وخرازة ودباغة، وحياكة ونحوها مما يتحصلون منه على القوت الضروري، كغذاء أو كسوة وسكن يكنهم عن الحر والقر، وآخرون منشغلون في التجارة التي تتوقف على الرحلات، والأسفار الطويلة، حيث تستغرق الأشهر، يقطعون فيها المفازات والصحاري، مما لا يتفرغون معه لتعلم أو تفقه في الدين، وإنما يتلقون من آبائهم العلوم الضرورية في العبادات قولاً أو فعلاً، ومع

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015