وكذبوا؛ لأنهم مخالفون للمسلمين في العقيدة التي هي الأصل والأساس، فكيف يجتمعون مع المسلمين وكيف يأمنهم المسلمون؟ ولا شك أنهم يضمرون للمسلمين العداوة والبغضاء، ولعلكم تحفظون من الحكايات عنهم أكثر مما أحفظ، ولقد بلغكم أو بلغ أفرادكم أكثر مما بلغني، إذن فهم أعداء لله وأعداء للإسلام والمسلمين، فلا يغتر بدعوتهم إلى ما يسمونه: التقريب، ولا شك أن هذا الاعتقاد كفر وضلال، وعلى المسلم أن يعرف أعداء الله، وأن لا ينخدع بدعاياتهم وبأقوالهم وبما هم عليه، بل نأخذ حذرنا منهم.
نقول: إذا عرفنا سبب نشأتهم، فما موقف الأولين منهم؟ العلماء الأولون كانوا منتبهين لهم في القرن الأول، إنهم كانوا يتسترون في القرن الأول وفي القرن الثاني والثالث ولا يظهرون أمرهم، ولكن مع الأسف،
[29]
تولوا ولايات ووثق بهم أكثر العامة، وصاروا يروون عنهم تلك الأخبار، وصار منهم إخباريون وإن لم يكونوا من غُلاتهم، ولذلك دخل الكذب في كتب التاريخ بسبب الرواية عنهم، أو عن كثير منهم، فتجدون مثلا في كتب التاريخ حتى ما يكتبه أهل السنة، الكتب التاريخية مملوءة بما يدل على أنه من وضع أعداء الصحابة.
فمثلا من المشهورين بالأخبار شيعي من الغلاة ولكن يقولون: إنه يروي الأخبار ويحفظها يقال له: لوط بن يحيى ويشتهر بأبي مخنف يروون عنه في كتب التاريخ، فيقول ابن جرير قال أبو مخنف وذكر عن أبي مخنف هذا الراوي يظهر أنه من أهل السنة، ولكنه يميل إلى من يعادون الصحابة، دليل ذلك أنه يتتبع أخبار أهل البيت ويبالغ في نقلها ويطيل فيها، ويتابعها
[30]
المتابعة الزائدة، ويستقصي أخبارها، فمثلا في تاريخ ابن جرير مقتل الحسين واقعة واحدة قتل فيها الحسين ومعه من أهل البيت نحو الأربعين، ففي العادة أن مثل هذه الواقعة يكفيها ثلاث صفحات أو أربع صفحات، ولكن استغرقت نصف مجلد، أي أكثر من 250صفحة من تاريخ ابن جرير والذي اعتماده على هؤلاء الإخباريين، فابن جرير -رحمه الله- من أهل السنة، ولكن بلاده طبرستان في إيران كانت مليئة في زمانه بهؤلاء الذين يبغضون الصحابة فكانوا يدخلون عليه شيئًا من أخبارهم وإن كان محدثًا ومفسرًا وإمامًا إلا أنه انخدع بهم، ألّف كتابًا في مجلدين في خبر غدير خم يقول ابن كثير ذكر فيه ما لم يصلح أن يذكر، حشد فيه الطيب والخبيث، والغث والسمين، والصحيح والسقيم، واستوفى فيه -كعادة المؤلفين في ذلك الوقت- ما بلغه
[31]
من حق وباطل، وذلك دليل على أنه قد كثرت عنده تلك الأخبار، وهو دليل كذلك على أن أخبار أعداء الدين في ذلك الزمان قد اشتهرت.
وفي القرن الرابع استولى على العراق - بل وعلى مصر وعلى إيران ونحوها- دولةٌ يقال لها: بنو بُويه وهذه الدولة ممن يعادون الصحابة رضوان الله عليهم، مع أن الخلافة لبني العباس، ولكن هؤلاء من جملة السلاطين الذين يديرون الخلافة وهم شيعة أعلنوا مذهب الرفض وزادوا فيه وتوغلوا فيه، ونشروه النشر الزائد، وانتشر في زمانهم وتمكن في العراق لأنها وطنهم، وتمكن في إيران وما حولها، وصاروا يدعون إليه بالقول وبالفعل، ويشجعون كل من يعتنقه ويولونه الولايات، ولا شك أن هذه من الدعايات التي ساهمت في تمكين هذا المذهب، وإلا فهو مذهب باطل خبيث.
[32]
ولما تمكن وكثر معتنقوه صار لهؤلاء مراجع ولهم مؤلفات، وصاروا يحشدون في الكتب التي يؤلفون في مذهبهم وفي تقرير معتقدهم ما لا يصدقه العقل، ثم انتشر هذا المذهب وانتشرت كتبهم، وعندهم الآن من الكتب ما لا يحصيه العدد وكله يؤيد هذا المذهب.
ولما انتشرت تلك المؤلفات فيما بينهم وكثر المؤلفون تمكن وظهر وقوي، وانخدع به من انخدع، ولا يزالون يخدعون الناس إلى هذا اليوم، لا يزالون يزينون للناس اعتقاد هذا المذهب الباطل واعتناقه، وينخدع كثير من الناس بحسن معاملتهم، وبملاطفتهم ولين الكلام منهم ومدحهم في أنفسهم ويقولون: إن معهم شيئًا من الأخلاق ومن الأدب ومن الصدق ومن الوفاء بالوعد ومن كذا وكذا، يجتذبون الناس بمثل هذه المعاملة اللينة، وإلا فالأصل أنهم كفرة وعقائدهم سيئة،
[33]
¥