هذه الهمة العالية بدت في بواكيرها أيضا لدى الإمام النووي وهو صغير فقد حدثت له (وهو ابن عشر سنين) حادثة لطيفة دلت منذ صغره على تميزه واختيار الله له ليكون من العلماء العاملين , وذلك أنه في سنة نيف وأربعين وستمائة مر بقرية " نوى" (من أعمال منطقة " حوران" فى جنوب البلاد السورية) الشيخ " ياسين بن يوسف المراكشي" .. وكان من العارفين الزاهدين .. فرأى الصبيان يلعبون ويكرهون النووي على اللعب معهم , وهو يهرب منهم ويبكى ممسكا بالقرآن –وهو يقرأ ويحفظ على تلك الحال أثناء اللعب، فقال الشيخ ياسين: " فوقع في قلبي محبته , فأتيت الذي يقرئه القرآن , فوصيته به , وقلت له: هذا الصبي يرجى أن يكون أعلم أهل زمانه وأزهدهم , وينتفع به الناس " , فقال لي: " أمنجم أنت؟ " فقلت: " لا, وإنما أنطقني الله بذلك " , فذكر ذلك لوالده فحرص عليه إلى أن ختم القرآن .. وقد ناهز الحلم.

ولنترك الإمام جلال الدين عبد الرحمن بن الكمال أبى بكر السيوطي, أحد أفراد الدهر علما وتصنيفا وإمام وقته شهرة وذيوعا يحدثنا عن نفسه .. فكان يعتد بنفسه مفتخرا بعلمه .. يقول رحمة الله (توفى 911 هـ) في كتابه (حسن المحاضرة) (4):

" كان مولدي بعد المغرب ليلة الأحد , مستهل رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة , وحملت في حياة أبى إلى الشيخ أبى محمد المجذوب .. رجل كان من كبار الأولياء بجوار المشهد الحسيني .. فبارك علىّ , ونشأت يتيما , فحفظت القرآن ولى دون ثمان سنين , ثم حفظت العمدة ومنهاج الفقه والنحو على جماعة من الشيوخ , وأخذت الفرائض عن علامة زمانه الشيخ شهاب الشارمساحيّ , الذي كان يقال له: بلغ السنّ العالية , وجاوز المائة بكثير , قرأت عليه شرحه , وأجزت بتدريس العربية في مستهل سنة ست وستين وثمانمائة. وقد ألّفت في هذه السنّ , فكان أول شيء ألفته شرح الاستعاذة والبسملة , وأوقفت عليه شيخنا علم الدين البلقينيّ , فكتب عليه تقريظا , ولازمته في الفقه إلى أن مات , فلزمت ولده , وقرأت عليه من أوّل التدريب لوالده إلى الوكالة , وسمعت من أول التنبيه إلى الزكاة , وقطعة من الروضة من باب القضاء وقطعة من شرح المنهاج للزركشى ومن إحياء الموت إلى الوصايا أو نحوها وأجازني بالتدريس والإفتاء من سنة ست وسبعين وثمانمائة , وحضر تصديري. ولما توفىّ سنة ثمان وسبعين وثمانمائة , لزمت شيخ الإسلام شرف الدين المناويّ, فقرأت عليه قطعة من المنهاج , وسمعته عليه في التقسيم؛ إلا مجالس فاتتني , وسمعت عليه دروسا من شرح البهجة ومن حاشيتها عليها. ومن تفسير البيضاوي , ولزمت في الحديث والعربية شيخنا الإمام العلامة تقيّ الدين الشبكيّ الحنفي , فواظبته أربع سنين. ولم أنفك عن الشيخ إلى أن مات. ولزمت شيخنا العلامة أستاذ الوجود محي الدين الكافيجي أربع عشرة سنة , فأخذت عنه الفنون من التفسير والأصول والعربية والمعاني وغير ذلك , وكتب لى إجازة عظيمة. وحضرت عند الشيخ سيف الدين الحنفيّ دروسا عديدة في الكشاف والتوضيح وحاشية عليه وتلخيص المفتاح والعضد. وسافرت بحمد الله تعالى إلى بلاد الشام والحجاز واليمن والهند والمغرب والتّكرور. وّلما حججت شربت من ماء زمزم لأمور؛ منها أن أصل في الفقه إلى رتبه الحافظ ابن حجر. وعقدت مجالس إملاء الحديث من مستهلّ سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة. ورزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير , والحديث , والفقه, والنحو, والمعاني , والبديع , والبيان؛ على طريق العرب والبلغاء؛ لاعن طريق العجم وأهل الفلسفة؛ والذي أعتقد أنّ الذي وصلت إليه من هذه العلوم السبعة سوى الفقه والنقول التي اطلعت عليها لم يصل إليها أحد من أشياخي فضلا عمن دونهم؛ وأما الفقه فلا أقول منه ذلك , بل شيخي فيه أوسع نظرا , وأطوع باعا ... "

ثم أخذ يعدد كتبه إلى حين تأليف كتابه فذكر منها ثلاثمائة كتاب في التفسير والقراءات والحديث والفقه والأجزاء المفردة والعربية والآداب.

وقد عدّ له الأستاذ بروكلمان (415) مؤلفا بين مطبوع ومخطوط , وذكر له الأستاذ فلوغل والأستاذ جميل العظم قريبا من هذا العدد وقال ابن إياس: " بلغت مؤلفاته 600 مؤلف " (5)

المراجع:

(1) الياقوتة لابن الجوزي ص (58) – ط دار الفضيلة.

(2) من كتاب قيمة الزمن عند المسلمين – عبد الفتاح أبوغدة – ط دار القيم ومن كتاب سباق نحو الجنان – د/ خالد أبو شادي – ط دار البشير – مصر 2000

(3) الأذكياء لابن الجوزي – ط الهيئة المصرية العامة للكتاب - 2003.

(4) انظر ترجمته في: حسن المحاضرة له 1/ 288 وما بعدها , الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة لنجم الدين محمد بن محمد الغزي 1/ 227 وما بعدها , بهجة العابدين للشاذلي ص 56 وما بعدها , الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع للسخاوي 1/ 205 وما بعدها.

(5) من مقدمة الإتقان في علوم القرآن للسيوطي – تحقيق أبو الفضل إبراهيم ط دار التراث القاهرة / 1967

يتبع ان شاء الله ...

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015