4 - (المضارحة) التي زادَها بعضهم، وذكرَ أنها بمعنَى (المقابلة) لا أعلمُ لها دليلاً من السَّماع؛ وإنما (المضارحة) المراماة، حقيقةً، أو مجازًا؛ فلا يصِحّ أن تفسَّر حين إذٍ بـ (المقابلة) بإطلاق؛ فلو قيلَ: (المقابلة بالرمي، أو السبّ، ونحوه)، لكانَ مقارِبًا.

5 - لا يَدلُّ (الضَّرْح) بمعناه المجازيِّ على (الإبعاد)؛ وإنما معناه (الرَّمي)؛ ولذلك لا يكون مفعولُه إلا مكروهًا، منبوذًا، كالعار، والشرِّ، والخلقِ السيئ، أو ما يَجري مَجراه، ولا يقال: ضرحَ الإنسانُ نفسَه.

6 - قلتُ عن الجوهريِّ: (ولم يحسن الجوهريُّ الإبانة عن المعنى كما تستعمله العرب)، ولم أقل: (إنه لم يَفهم المعنى)؛ فقد يكون فهِمه، ونقلَه من طريقٍ أخرَى؛ ولكنَّه لم يستحضِر الفرقَ بينهما، أو لم يسعفه البيان، أو تجوَّزَ في كلامه.

7 - قول بعضهم: (قبل أن ننضرح) لا معنى له هنا؛ إذ الانضراح هو الانشقاق، أو قبول الشيء المكروه، كالقذى، والعار، للضَّرْح. وقوله: (أضرحنا الله) لا معنَى إلا (أفسدنا)، وقوله: (ولعلَّ هذا هو الذي دفع بالسيِّد إلى اختيار " يُضْرِح " بدلاً عنها) كذبٌ على السيِّد، وجهلٌ بأن (ضرَحَ) بالمعنى الذي أرادَ يتعدَّى بنفسه.

8 - ذكر من حاولَ التعقُّب أني وقعت في تدليس خفي مشين حين ضبطت (يُضرِع) هكذا وَفقًا لمتن الكتاب، مع أنها مضبوطة في المقدِّمة (يَضرَع)، ثم أعملَ سوءََ الظنّ، والتجنيَ، وعدمَ الإنصاف؛ فزعمَ أني ما فعلت ذلكَ إلا ليستقيمَ لي توهيم السيِّد كلَّ الاستقامة. وأنا لا أبالي بمثل هذا؛ فالرمي بالتدليس، والكذب، والسرقة .... إلخ من لوازم الردود عند بعضهم، وقد اعتدتُّها؛ ولكنِّي عجِبت حقيقةً من قطعِه بأني ما فعلت ذلك إلا ليستقيمَ لي توهيمُ السيِّد صقر كلَّ الاستقامة. ووالله لقد ما كان هذا لي غرضًا، ولا أنا ممَّن يفعل ذلك. وحقيقة الأمر أني وجدتُّ (يضرع) هذه متعديةً إلى (نفسَه)، و (يَضْرَع) إنما يتعدَّى بالهمزةِ قولاً واحدًا؛ فيقال حين إذٍ: (يُضرِع)، ولا يَجوز (يَضْرَع)، ثم وجدتُّها في المتن مصحَّحة إلى (يُضرِع)؛ فقلتُ: إما أن يكون هذا خطأ طباعيًّا، وخاصةً أني وجدتّ أشياء في المقدِّمة على غير الصواب، كقوله: (وآب ذو المحضر البادي إبابته). والصواب (وأبَّ)، وهو كذا في المتن.

وإما أن يكونَ شيئًا رجعَ الشيخ عنه؛ فلِمَ أبقِي عليه وقد رجع عنه، معَ ما في هذا من شَغل لذهن القارئ؟

ولا أدري كيفَ يستقيمُ لي بهذا توهيم السيِّد كلَّ الاستقامة؛ لأن هذا الضبط إن لم يكن خطأ طباعيًّا كما أرجِّح، فهو من تصرُّف الشيخ شاكر، وليس اعتمادًا منه على طبعة (ليدن)، لأنها في طبعة (ليدن) – وقد رجعت إليها – مضبوطة هكذا (يُضرِع).

ولا أدري كيفَ يستقيمُ لي بهذا توهيم السيِّد كلَّ الاستقامة، ولو كان فيها دليل على صِحَّة (يَضرَح)، لاحتجَّ به السيد صقرٌ.

فقد تبيَّن أنَّ ضبطَ (يُضرِع) كما هي في المقدِّمة هكذا (يَضْرَع) لا يؤيِّد رأيَ صقر، ولا يدفعُه؛ بل يسيء إليه، وإلى الشيخ شاكر رحمهما الله.

9 - احتجَّ من حاول التعقُّبَ بقول الأفوه الأودي:

والخيرُ لا يأتي ابتغاء به ... والشرُّ لا يُفْنيه ضَرْح الشّموس

على أن الشَرَّ يُضرَح؛ وإذا كان يُضرَح، فكذلك اللؤم، لأنه قريب منه! ثم ذكر أنه لو لم يكن في كلام العرب إلا هذا البيت، لكفى به حجةً قويةً للسيد صقر.

وقد استعجل هذا المتعقِّب استعجالاً أركسَه في الخطأ؛ فأينَ وقعَ (ضَرْح اللؤم) في قول الشاعر:

إذا المرءُ لم يَضرَح عن اللؤمِ نفسَه

إذ المضروح – لو اخترنا هذه الكلمةَ – هو (النفس)، لا (اللؤم). و (اللؤم) مضروح عنه، لا مضروح!

10 - أنكرَ المتعقِّب تفسيري لـ (يُضرِع عن اللؤم نفسَه) بأنه (يُذِلّها مباعدًا لها عن اللؤم). وحجته هي أن نسافر عبرَ الزمن، ونسأل كلّ الأعراب، هل يقول ذلك منهم أحدٌ؟

وهذه حجَّة جيِّدة!

خلاصة القول:

بما تقدَّم تفصيلُه يتبيَّن أنَّ (الضَّرْح) بجميع أصوله، وتفريعاته لا يأتي بمعنى (البُعدِ) بإطلاقٍ، لا حقيقةً، ولا مجازًا. وإذا كان كذلك، كانَ ما اقترحه السيد صقر غيرَ صوابٍ. وزدْ على امتناعِ معنى (الضَّرْح) هنا ما اعتضدتُّ به من ضَعف معنى البيت لو سلَّمنا أن (يَضْرَح) بمعنى (يُبعِد)، وما احتججتُ به من ثبوتِ الكلمة في «المجالسة وجواهر العِلْم»: (يُضرِع)، وفي «عيون الأخبار»: (يَصْرَع). ولا مدخلَ لـ (يَضرَح) بينها.

والحمد لله أولاً، وآخِرًا.

ـ[أبو قصي المنصور]ــــــــ[11 - صلى الله عليه وسلمug-2009, مساء 11:25]ـ

تنبيه:

هناك مسألة أخطأتُ فيها، أذكرُها إحقاقًا للحقِّ، وطلبًا للإنصاف؛ وهي أني قلت: إن السيِّد صقرًا لم يفهم معنى الزيادة عند النحاة، لكلام قاله. وقد ذكر المتعقب أن بعض العلماء اصطلحوا على تسمية (ما) الزائدة غير الكافة (زائدة)، وتسمية الزائدة الكافة (كافة)، ولا يسمونها زائدة طلبًا للإيجاز. وإذا كان ذلك كذلك، كان إنكار صقر لتسميتها زائدة محتمَلاً أن يكون على هذا الاصطلاح، ويحُلّ حينَ إذ في منجاة من اللوم. والله يغفر لنا، وله.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015