وتفسير الشيخ شاكر لـ (أضرع) ليس مستقيمًا كلَّ الاستقامة؛ فإنه ذكر أن (الضَّرع) الاستكانة، والخشوع، ثم عدل عن هذا في التفسير؛ فقال: (فالمراد هنا: إن لم يمنع نفسَه عن اللؤم، ويغلبها). والصواب: (إن لم يُذِلَّ نفسَه، عن اللؤم) أي: (مباعدًا لها عن اللؤم) كما تقدَّم. ويصدِّق ذلك قول العرب في المثل: (الحمَّى أضرعتني لك)؛ أي: أذلّتني لك.
فهذه بعضُ التعقيبات على بعض نقَداتِه لم أستحِبَّ أن أطويَها؛ يدفعُني إلى ذلك ما قاله السيد صقر: (وإني على نهجي الذي انتهجتُ منذ أول كتابٍ نشرتُ، أدعو النُقَّادَ إلى إظهاري على أوهامي فيها، وتبيين ما دقَّ عن فهمي من معانيها، أو ندَّ عن نظري من مبانيها، وفاءً بحقِّ العلم عليهم، وأداءً لحقّ النصيحة فيه).
والسيد صقر محقِّقٌ ثبت، وقارئٌ ناقدٌ؛ فإن يكن أخطأ، فقد أخطأ مَن هو أعلمُ منه، وإن أكن أصبتُ، فقد أصابَ من هو أجهلُ منِّي. ولا أدَّعي الصوابَ في جميع ما ذكرتُ. وهذه القضايا التي نخوضُ فيها ليست مِلكًا له، ولا لي؛ وإنما هي مِلكٌ للأمّة كلِّها، لكلِّ فردٍ من الحقِّ فيها مثلُ ما للآخَرِ.
وهنا أجدني محتاجًا إلى تقريرِ أصلينِ لا بدَّ منهما، إليهما يئولُ جميعُ ما ذكرتُ:
الأصلُ الأوَّل:
إذا اختلفت رواياتُ النسَخِ، فأيَّها يختار المحقِّقُ؟
أيختارُ رواية النسخة التي يثِقُ بها؟ وأقصِد الثقةَ التي أوجبَها له ما يُحتكَم إليه في مجال التحقيق من معاييرَ علمية صحيحة.
أم يختارُ الرِّواية التي يستحسنُها ذوقُه، والتي ألِفَها، واعتادَ قراءَتَها في جملة من المصادر؟
لا ريبَ عندي أنّ عليه أن يختارَ رِواية النسخةِ التي يراها أوثقَ، وأصحَّ؛ وإن خالفت الشائعَ، المألوفَ. وليسَ من حقِّه أن يحكِّم رأيَه في ذلكَ، ولا أن يخرجَ عن الاعتداد بغيرِها إلا إذا كان غيرُها أشبهَ بأسلوب المؤلفِ، وطريقةِ أهل عصره، أو أعرفَ في استعمال الكتَّاب، واصطلاحاتِ الفنونِ.
وذلكَ أنَّ عمَلَ المحقِّق ليس إخراجَ الكِتابِ على أصحِّ ما يراهُ هو؛ أي: ليس عمُله الترجيحَ؛ وإنما عمَلُه أن يخرج الكتابَ بالصورة التي أرادها مؤلفُه أيًّا كانت. ولا سبيلَ إلى ذلك عند اختلافِ النسَخِ إلا التعويلُ على أصحِّها في الجملة، وأضبطِها، وأدناها إلى عصر المؤلفِ، من خلال تفحُّصِها، وقراءتها قراءةً دقيقةً، وغيرِ ذلك مما هو معلومٌ لدى المشتغلين بهذا الفنِّ.
ولا يلزَمُ أن تكونَ روايةُ المؤلِّف بعدَ هذا هي الرِّوايةَ التي يراها المحقِّق أصحَّ؛ فقد تكونُ رِواية المؤلفِ رِوايةً مرجوحةً في نظرِه، أو مخالفةً للكثيرِ المعروفِ، ومع ذلك، فلا يسوغُ له أن يختارَ غيرَها، لأن هذا الكتابَ الذي يحقِّقه فوقَ كونِه أمانةً يجِب أداؤُها كما هي، فهو وثيقةٌ، وشاهدٌ على أشياءَ كثيرةٍ، كمذهب المؤلف، وأسلوبه، وعادةِ عصره، وما لا أحصيه؛ فربَّ كلمةٍ يغيِّرها لا يأبه لها هي عند باحثٍ من الباحثينَ ذاتُ شأنٍ، ويمكنُه أن يستنبطَ منها ما يستنبطُ. كما ترَى في احتجاجِ الشيخ أحمد شاكر في (الرسالة) للشافعيِّ بـ (معاني) ونحوِها مثبتةَ الياء في الرفع، والجر، على الجوازِ. ولو أجرَى الشيخ منهجَ الترجيحِ، والحملِ على الشائع المعروفِ، لغيَّر هذه الكلمةَ، وحذفَ الياءَ؛ فكانت تضيع علينا من جرَّاء ذلك هذه الفائدة اللغوية النادرة – وإن كنتُ أخالفُه في الاحتجاج بها لأمور أخرَى -.
ثمَّ إنَّ عِلْم الإنسانِ – وإنْ اجتهدَ - محدود، واطِّلاعه – وإن حاولَ – ضيِّق، ونظرهُ – وإن امتدَّ – قاصِرٌ؛ فلعلّ ما اعتدَّه خطأً، ثم أبطلَه، يكون هو الصوابَ، ولعلَّ ما رآه ضعيفًا، فاستبعدَه، يكونُ هو الرِّوايةَ التي اختارَها المصنِّف. وهذا المنهجُ – أعني منهجَ الإلحاد في التحقيق - حقيقٌ إن نحن أخذنا به أن يقضي على فريقٍ كبيرٍ من نوادر التراثِ، ودقائقِه، وأن يجعلَ كتبَه على صورةٍ واحدةٍ قد يتبيَّن من بعدُ لبعض الباحثينَ أنها غيرُ صحيحةٍ، وأنَّ ما غيَّره المحقِّقون هو الصوابُ.
وأنا أذكرُ مثالينِ لهذا الإقدامِ على التغييرِ:
¥