وما جاء في القرآن من تشابه مع التوراة والانجيل لا يدل على أن الكتاب الجديد اقتبس من القديم , بل يثبت صحة ما جاء في الكتب السماوية كلها , ما دامت نابغة من مصدر واحد. ولو – فرضا – خالف القرآن التوراة , لقالوا: لا يقبل القرآن لاختلافه عن التوراة.

ثم لماذا أتى بقصة كليمان هوار؟ أغلب الظن أنه يريد أن يبث الشك في صحة القرآن فلم يرد أن يصدر هذا الشك عنه , فأصدره على لسان المستشرق. ولهذا قال نتيجة لكلام هوار: ((وليس يعنيني هنا أن يكون القرآن قد تأثر بشعر أمية أو لا يكون)) وأقحم كذلك شك المستشرقين في صحة السيرة , ليدخل الشك في نفوس القراء بها , ولهذا وصف موقفهم هذا " بالعلمية " فقال: ((هم يقفون هذا الموقف العلمي من السيرة , ويغلون في هذا الموقف)) ونسي أن السيرة تخص أهلها لا أهل غيرها. (1)

(1) دراسات في الأدب الجاهلي – محمد التونجي - ص181.

مناقشة الحجة الرابعة والرد عليها " القصص ونحل الشعر "

يعد طه حسين القصص ذات أساس كاذب , ثم يقول انها مستمدة من القرآن. ثم يتابع تعليقه ليجعل أهل الكتاب كاذبين أيضا. وحين أراد الاستشهاد بالقصص ذكر ألف ليلة وليلة , وسيرة عنترة. وهويعلم أن هذه الروايات لا تعد من العصر العباسي أصلا , بل من العصور المتأخرة .. أيام المماليك كما هو معلوم.

وألف ليلة وليلة ذات أصل فارسي وهندي , واسمها الأصلي هزار أفسانة أي ألف خرافة. وضاعت منها حكايات , وزيد عليها حكايات .. والتفصيل في ذلك ليس من هدف الكتاب. ولكن المهم أنها ترجمت إلى العربية في القرن الثالث الهجري , ولكنها لم تعرف , ولم تبلغ مستوى التقدير , حتى ابن النديم لم يعر هذه الترجمة التفاتة تذكر.

أما سيرة عنترة فهي من الروايات التي صنعها بعض المؤلفين بايعاز من المماليك الظالمين ليلهوا الشعب عن أوضاع البلاد , فلماذا لم يستشهد بحكايات قديمة؟

وجاء بسيرة ابن هشام ولم يكن هم ابن هشام وضع قصة , بل همه اثبات التاريخ الصحيح , ولكنه يشك فيه , فيقول: " وانما كانوا يستعينون بأفراد من الناس , يجمعون لهم الأحاديث والأخبار , وآخرين ينظمون لهم القصائد وينسقونها ".

وهكذا يتابع تكذيب الفئات جميعا , الواحدة تلو الأخرى , في حين أن العربي كان يعتز بالصدق. بل أن أحد الشعراء رفض أن يكذب على ناقته , فكيف يقبل أن يكذب على الآخرين؟ يقول هذا الشاعر:

أريد أمنيك الشراب لتهدئي ولكن عار الكاذبين يحول

ومع ذلك فاننا نعلم أن الشعر في تلك الروايات موضوع لا يقبل به أحد. حتى الذين شرحوا ديوان عنترة لم يرجعوا إلى هذه الأبيات , ولم يذكرها في ديوانه , لأن أسلوبها واضح الهلهلة , وموضوعها يعتمد على التضخيم والتهويل ... والاثنان متناسبان لصياغة الرواية.

والخلاصة أننا نرفض أن نوافقه على رفض الشعر الذي جاء في سيرة ابن هشام. وما شك فيه في هذا الكتاب شك فيه النقاد قبله , ولا يقبله عاقل أصلا. وما رفضه من الشعر الجاهلي لا يرفضه أي ناقد سليم النية. (1)

(1) دراسات في الأدب الجاهلي – محمد التونجي ص 183.

مناقشة الحجة الخامسة والرد عليها " الشعوبية ونحل الشعر "

نحن نوافقه على أن الشعوبيين معادون للعرب , ولكننا لا نوافقه على أن الفرس جميعا كانوا ضد العرب. فالشعوبية قلة نادرة العدد بالنسبة إلى المحبين. ولا شك أن بعضهم نظم شعرا في رفع مكانة الاكاسرة , والحط من شأن العرب. ولكن أغلب هذا الشعر ضاع .. وما ضاع من الشعر لا يمكن التحدث عنه.

ولقد خسر الروم أضعاف ما خسره الفرس. لم ينقص من بلاد فارس شبر كما هو معلوم , في حين أن الروم أجلوا عن فلسطين والشام ومصر وشمال إفريقية , وحوربوا كذلك في عقر درهم. ونحسب أنهم لو قالوا شعرا لما نحلوه , وهم ألفوا كتبا غير أنهم لم يذكروا فيها ما يعادي العرب.

ثم انه لم يذكر الا ثلاثة من الشعوبيين: أبا العباس , اسماعيل , أبا نواس. فأين هم الباقون؟ ما وقفه منهم؟ ليس كل شاعر مولى معاديا للعرب. ونحن ان عدنا إلى تاريخ الأدب في العصر الأموي لم نحظ بكثير من الموالي أو من الشعوبيين. وهم كذلك قليلوا العدد في المرحلة الأولى من العصر العباسي , بينما يكثر عددهم وذكرهم منذ خلافة هارون الرشيد .. وفي هذه المرحلة كان تدوين الشعر قد قطع أشواطا مهمة جدا.

والخلاصة أن الشعوبية برزت في العصر العباسي أكثر من الأموي. وقد برز التدوين والنقد في العصر العباسي , وقبل أن يستفحل أمر التعريض بالعرب , بالاضافة إلى أن أكثر هذا اللون من الشعر ضاع – كما يقول في كتابه – فلا فائدة إذا من معالجته. (1)

مناقشة الحجة السادسة والرد عليها " الرواة ونحل الشعر "

الدراسة المنهجية في بحثه هذا أن يستعرض الرواة كلهم , الصادقين والكاذبين لا أن يختار من يجد فيه مطعنا , ورقة الدين ليست سببا في الكذب ونحل الشعر .. ونعتقد أن الدكتور نفسه لا يقل عنهما رقة في دينه .. فهل يعني هذا الحكم أن كل ما ذكره في كتابه هذا وفي غيره غير صحيح؟ ومثله شرب الخمر , فكثير من العلماء ألفوا وشربوا , وشربوا وألفوا .. ومع ذلك كانوا صادقين فيما يكتبون. والخمرة لم تكن سببا في نحل الشعر , وإلا رأينا كل ما ألفه العلماء المدمنون – قديما وحديثا – غير صحيح. (2)

(1) دراسات في الأدب الجاهلي – محمد التونجي ص 185.

(2) نفس المصدر ص186

طور بواسطة نورين ميديا © 2015