إذا كان للمكان حدود تحده، ونهاية ينتهي إليها فإن الحيز لا حدود له ولا انتهاء؛ هو مجال شاسع وفوق ذلك عنصر مركزي في تشكيل العمل الروائي، بحيث يمكن ربطه بالشخصية واللغة والحدث ربطا عضويا. قد ينتقل الحيز من مكان ضيق أو واسع إلى رؤية فنية؛ وهو التصور الذي ذهبت إليه الناقدة جوليا كريستيفا .. إذا كان الحيز يعني لدى التقليديين (نجيب محفوظ) كل شيء؛ بحيث كانوا يبالغون في وصفه ويبرعون في بنائه لإيهام المتلقى بواقعيته وحقيقته، فإن كتاب الرواية الجديدة قد نحوا به منحى آخر، وعملوا على تعويمه في الأسطورة وحمله على النطق، ودفعه إلى الوعي .. ولعل هؤلاء الروائيين الجدد يرمون عن وعي فني إلى إزعاجه والإساءة إليه، شأنه شأن معظم المشكلات السردية الأخرى

المظهر الجغرافي: أو مثول المكان في مظاهر مختلفة وأشكال متعددة .. الجبال، والسهول والوديان. ولما كان الحيز الروائي يعكس مثول الإنسان في صورة خيالية (الشخصية) فإن هذه الشخصية لا تتفاعل إلا في حيز جغرافي، أو في مكان .. والحيز أكبر من الجغرافية مساحة، إذ هو ارتفاع وانخفاض وبحار وصحاري وطيران وتحليق .. بينما الجغرافيا وصف للمكان الموجود لا المكان المفقود أو المنشود الذي يحلم الإنسان برؤيته خارج إطار الأرض.

المظهر الخلفي: أو الحيز الإيحائي كما يسميه جيرار جينيت:

وهو مظهر غير مباشر؛ بحيث يمكن تمثل الحيز بواسطة كثير من الأدوات اللغوية غير ذات الدلالة التقليدية على المكان مثل الجبل أو الطريق .. وذلك بالتعبير عنها بواسطة أفعال مثل: سافر وخرج ودخل وأبحر إلى غير ذلك. ومثل هذه الأفعال تحيل على عوالم لا حدود لها؛ وهي جميعها أحياز في معانيها. لذلك فإن الحيز الأدبي عالم بدون حدود وبحر بلا ساحل؛ إنه امتداد مستمر ومفتوح على جميع الواجهات وكل الآفاق. الأديب يرسم حيزا ويتصرف في تشكيله، فإن شاء أن يكون ضخما ضخمه، وإن شاء أن يكون ممتدا مدده، بحيث لا تنهض في وجهه حدود الجغرافيا ولا ارتفاع الجبال ولا عمق الأودية ..

علاقة السرد بالزمن:

الزمن مظهر وهمي كل الأحياء والأشياء تتأثر بمضيه الوهمي، غير المحسوس. والزمن كالأوكسيجين، يعايشنا في كل لحظة من حياتنا؛ غير أننا لا نحس به، ولا نستطيع أن نراه أو نسمع حركاته الوهمية، ولكننا نستطيع أن نرى أثره ونشاطه في الإنسان حين يهرم، وفي البناء حين يبلى أو الحديد حين يعلوه الصدأ وفي الشجر حين تتساقط أوراقه أو الزهر لما يسري فيه الذبول. فالزمن إذن مظهر نفسي لا مادي ومجرد غير محسوس ..

أنواع الزمن:

ـ الزمن المتواصل:

والزمن المتصل غير الزمن المتواصل؛ على أساس أن المتصل لا يكون له انقطاع، على حين أن المتواصل يمضي في حركته من دون الإفلات من سلطان التوقف.

ـ الزمن المتعاقب:

وهذا الزمن دائري مغلق لا طولي وكأنه يدور حول نفسه، لأن بعضه يعقب البعض مثل زمن الفصول الأربعة التي تجعل الزمن يتكرر في مظاهر متشابهة.

ـ الزمن المنقطع:

وهو الزمن الذي ينتهي إلى غايته فينقطع ويتوقف مثل الزمن الخاص بأعمار الناس ومدد الدول الحاكمة وفترات الفتن المضطربة ..

ـ الزمان الغائب: وهو الزمن المتصل بأطوار الناس حين ينامون أو يقعون في غيبوبة، أو قبل أن يتكون الوعي بالزمن (الجنين ـ الرضيع)

ـ الزمن الذاتي: أو الزمن النفسي؛ ذلك أن المدة الزمنية من حيث هي كينونة زمنية موضوعية لا تساوي إلا نفسها، ولكن الذات أو العامل النفسي هي التي حولت العادي إلى غير عادي، والقصير إلى مديد. كما تعمد هذه الذات إلى تحويل الزمن الطويل إلى قصير في لحظات السعادة والفرح وبفوز أو انتصار .. والزمن القصير يتحول إلى طويل في حال ترقب المفاجآت السارة .. فيغدو الأسبوع شهرا والشهر سنة ... ويبقى الزمن في كل الأحوال موضوعيا في ذاته؛ وإنما صورة التعامل معه هي التي تحوله إلى زمن ذاتي .. هناك من النقاد الروائيين المعاصرين من يعتقد بوجود ثلاثة الأصناف من الزمن تتلبس بالحدث السردي وتلازمه، وهي: زمن الحكاية، وزمن السرد، وزمن القراءة ..

الحدث:

الحدث والحبكة: ولئن تمثل الحدث في الأدوار التي تقوم بها الشخصيات وما تنطوي عليه تلك الأدوار من أفعال وممارسات وما يواكبها من صراع، فإن الحبكة هي مجموع الأحداث التي يجمع بينها خيط رابط يبدأ بخوض غمار الحياة، والسعي في سبيل هدف معين تنشده الشخصية لقضاء مآربها الملحة وتحقيق هدفها الأسمى، وتنشط العراقيل وتنتصب المتاريس ويحتد الصراع حتى يبلغ ذروته .. ويطفو عنصر التشويق مهيئا النفوس المترقبة إلى نهاية ترضي فضولها وتستجيب لهواجسها وتطلعاتها .. وينتهي خيط الحدث بحل مرض أو مخيب للآمال. وتبقى مهارة المبدع في طريقة نسجه الأحداث وتركيبها في حلة تستأثر بالألباب ..

انتهى

محمد غالمي

أستاذ التعليم الثانوي

طور بواسطة نورين ميديا © 2015