وقد يدهش أصدقاء ياسين، إذا عرفوا أن بطلهم الأسطوري لم يكن سوى مجرم سفاح يحترف مهنة القتل بالأجر، ويتعيش من دماء الضحايا والأبرياء ..
وسوف تزداد دهشتهم، إذا عرفوا أن قاتل ياسين هو المجاهد الإسلامي المعروف اللواء محمد صالح حرب باشا وزير الحربية ورئيس جمعية الشبان المسلمين ......
وقد وقعت أحداث قصة مقتله حين كان صالح حرب في بداية حياته العملية بالجيش، وذهب إلى وادي حلفا ضمن بعثة عسكرية لشراء سرب من الجمال للخدمة في سلاح الهجانة، وفي أثناء عودة الضابط الشاب على رأس قطيع الجمال سمع عن قصة ياسين؟ أعنف شقي وأجرأ مجرم مشى على أرض مصر في زمنه، فقد اتخذ القتل حرفة، وإزهاق الأرواح تسلية ..
وكان يطرب كل الطرب عندما يسمع اسمه يردده الناس في خوف وفزع وهلع ويتمنى أن يكون مثل أبي زيد الهلالي.
وامتد نشاطه الإجرامي على طول مديريتي قنا وأسوان .. وفشلت جميع الحملات التي أوفدتها الحكومة للقبض على ياسين حياً أو ميتاً.
وبينما كان الضابط الشاب صالح حرب يستريح مع قطيعه من الجمال في بعض الأودية المتاخمة لجبال أسوان أبلغه أحد أتباعه أنه رأى بدوياً نائماً على بطنه عند إحدى المغارات وفي يده بندقية،
فلما ذهب يستطلع الخبر فوجئ بوابل من الرصاص ينهمر من ناحية المغارة، فأدرك على الفور أن القدر وضعه وجهاً لوجه أمام ياسين، وأنه لن يخرج من المنطقة كما دخلها .. فإما قاتلاً أو قتيلاً ..
وخطرت للضابط الشاب فكرة جريئة، فاستدار نحو قمة التل الذي يعلو فتحة المغارة وأسقط حبلاً تتدلى منه حزمة من البوص المشتعل، وحملت الريح الدخان إلى فوهة المغارة وشعر ياسين بالاختناق، فاضطر إلى الخروج منها، ودارت معركة حامية الوطيس، -وكان سلاح الهجانة في ذلك
الوقت سلاحاً بارعاً في التنشين الماهر وإصابة الهدف- فإذا أربع رصاصات في المليان .. وألقى الشقي بسلاحه فجرى نحوه الهجانة، فإذا به قد انتهى بعد أن استقرت إحدى الرصاصات في قلبه ..
ودخلوا المغارة المظلمة على أعواد الثقاب ... ففوجئوا بامرأة تصرخ ومعها طفل يولول .. فأخرجوهما،
واتضح أن المرأة المسكينة زوجة الشقي، والولد ولده، فلما علمت الزوجة بمقتل ياسين اندفعت تزغرد وتقول في حماس: بركة لي .. بركة لي ..
وظن الجميع أنها تتصنع الفرح خوفاً منهم. ولكنهم علموا أنها جادة لأنها كنت تعيش معه في خوف وبلاء.
وانتهت حياة ياسين السفاح المحترف وبقيت أسطورته في وجدان الجماهير التي تبحث دائماً عن بطل يملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً
فإذا لم تجده في الحقيقة صنعته في الخيال.)
قلت: وكم في الموروث الشعبي من حكايات الأبطال - في زعمهم - ما يشاكل حقيقة ياسين ذلك القاتل الأجير؟
ويشبه هذا الياسين في إجرامه: ذلك البطل الأسطوري الآخر: (أدهم الشرقاوي)! اللص المحترف! وسارق المواشي؟ الذي قتل صاحبه من أجل فلاحة كان يهيم بحبها! وهو بعدُ لم تبلغ سِنِي عمره التاسعة عشرة! ثم انصرف إلى الإجرام! ووضع يده في يد الشيطان! وفعل الأفاعيل بالضعفاء والناس! وسنفرد الكلام عنه في (الغريبة [رقم/4]). إن شاء الله
أما ياسين صاحب بهية: فقد ذكرتْ جريدة الاهرام فى التاسع من ديسمبر عام 1905 حقيقته وخبر مقتله بما لا مزيد عليه.
والغريب: أن البعض لا يزال مصرًا على تتويج مثل هذا القاتل بطلا! واختلاق سيرة المناضلين له لتخليدها في سجل التاريخ!
ففي عام 1965 مـ قام الكاتب نجيب سرور - لأول مرة - بكتابة روايته الشعرية (ياسين وبهية).
ثم كتبها للمسرح بعنوان "يا بهية وخبريني" عام 1967مـ. وتمَّ إخراجها في نفس العام.
وعنه أخذ الناس في ترنيم أخبار ياسين في أهازيجهم وأغانيهم.
وفي عام 1982 مـ تم عرض مسلسل (ياسين وبهية) على شاشة التلفاز المصري!
وهكذا غيَّمتْ تلك الأكاذيب على حقيقة هذا القاتل المحترف؟ كما غيَّمَتْ من قبل على حقيقة (أدهم الشرقاوي)!
ولله في خلقه شئون.
[تنبيه] قد نقل المؤرخ جمال البدوي أصل قصة ياسين عن (ذكريات المجاهد اللواء محمد صالح حرب) الصادرة عن سلسلة ذاكرة الكتابة فى هيئة قصور الثقافة، دراسة وتقديم أحمد حسن الكنانى وتقديم د. أحمد زكريا الشلق.
وهي ذكريات جديرة بالقراءة والمطالعة.
ومحمد صالح حرب: ذلك المناضل المجاهد الذي لا يعرفه أحد؟ وعنه يقول الأستاذ أحمد الخطيب في جريدة (المصري اليوم) 25/ 7/ 2010 في الحلقة الأولى من مقالاته عن هذا الرجل: (اللواء محمد صالح حرب قام بأهم حدث تاريخى فى حياة مصر قبل الثورة لا يقل أهمية عن ثورة 1919 التى قام بها سعد زغلول، وهو قيام حرب فى نوفمبر 1915 بالثورة المسلحة ضد الإنجليز عندما انضم إلى القوات السنوسية ومعه القوات المصرية فى مرسى مطروح ضد القوات الإنجليزية، واستطاع أن يحشد عدداً من القبائل فى مرسى مطروح للانضمام إليه وللقوات السنوسية، وأعلن الثورة فى 27/ 11/1915 فى صحراء مصر الغربية، وظل حرب بقواته يحارب الإنجليز حتى سنة 1918، وتعد هذه الثورة هى أول ثورة عسكرية يقوم بها مصرى ضد الإنجليز منذ الاحتلال البريطانى لمصر عام 1882.
وإذا كان سعد زغلول لايزال يذكره التاريخ لقيامه بثورة سلمية ضد الإنجليز عام 1919، فكيف يكون المقام مع رجل قام بثورة مسلحة ضد الاحتلال الإنجليزى لمدة ثلاث سنوات يحارب الإنجليز فى الصحراء، كانت نتيجتها أن استولى بقواته على الواحات لمدة عامين، وأصبح قائداً للمجاهدين، وكبد القوات الإنجليزية خسائر بلغت نحو 50 مليون جنيه بحساب ذلك الزمن ... ).
قلت: ولعلنا نُفْرِد لهذا الرجل موضوعًا خاصا نُعرَّف الناس به، وبجهاده ونضاله في سبيل أمة الإسلام، وقد كان المرشد العام لجمعية (الشُّبَّان المسلمين) بعد موت مؤسسها عبد الحميد بك سعيد.
وهذه الجمعية: هي التي تمتْ أمام جدرانها تلك المؤامرة البشعة باغتيال الأستاذ (حسن البنا) في الساعة الثامنة من مساء يوم السبت الثاني عشر من فبراير/ 1949 مـ.
وحسبنا الله ونعم الوكيل
.
¥