اعذرني إذا ما تأخرت في الإجابة، فمثلك لا يُحتجَب عنه. ولكن صرفني عنك الإمام الشوكاني، وأخشى أن ينصرف عني بسببه بعض الناس ...
وكان من فوائد تأخري أن كفيتني علامة الاستفهام الثانية، والفضل يعود إلى اللبيب "أبي الطيب" حفظه الله.
ولو كنت أدري أنك ستمطرني بوابل من فوائدك، لاختلقت لك استفهامات وهمية أخرى لأحظى بالجلوس إلى موائدك ...
واعذرني إذا ما تجاسرت على اقتراح يضاف إلى التصويب الذي أجريتَه على أحد أبيات منظومتك الرائقة، ولن أقول "اطبخوا لي جُبّةً وقميصا" .. وأنا متردد في ذلك، لعلمي أن الشعراء يغارون على أبكار إبداعاتهم ومبتكرات قرائحهم، ولا يسمحون لأحد بالاقتراب منها، بلْه لمسها أو المساس بها؛ وكأنها عرش ملكي أو نجم فلكي، فالأول منسوب إلى من ورثه، والثاني إلى من اكتشفه ..
لكن دعني أفضي لك باقتراحي، وإن كنت أعلم أنك "تجيد مثله"، ثم اعتبرني حلماً عابرا لن يعود، وانس ما قرأت مقلتاك وكذِّبهما.
تقول: قد أصبح الحمار من أولي النهى!!
وأنت أدرى أنّ "قد" تكأة الشعراء؛ يتوكأون عليها، ويهشون بها على أبياتهم، ولهم فيها مآرب وأخرى ... وهي منقذتهم من الفراغ الذي ينتابهم في بناء قصيدهم. فهي و "طُراًّ" أختان شقيقتان. لذا، فإنني كلما رأيت "قد" في قصيدة استثقلتها، بالحق وبالباطل، واتهمتها بأنها جاءت حشواً لا عفوا؛ باستثناء "وكأنْ قَدِ" الجميلة الوقع والموقع.
ولحساسيتي المفرطة تجاه هذا الحرف، أقترح عليك أن يكون البيت كالتالي:
صار الحمار اليومَ مِن أُولي النهى!!
أو "الآنَ" مكان "يوماً".
أمّا عن تخريجك لتشبيه العدو بالأسد، فهو في غاية السداد. بيد أن لي تخريجا آخر أتمنى أن يروقك، وهو: أن الأسد ليس أسدا على الحقيقة، بل ضبع من ألأم الضباع، لكن نحن الذين نراه كذلك؛ وأن كل واحد منّا يحمل بين جنبيه أسداً كامناً، لكنه يتجاهله أو يتناساه بسبب حب الدنيا وكراهية الموت. وكأن صورة العدو انعكاس لذاتنا التي نود التنكر لها، لكنها مسلوبة من العدل والإنسانية لأنها مجرد قناع يخفي وراءه ضبعاً قذراً ..
وقديما قال جحظة:
أُصِبنا به فاستأسد الضبع بَعده ---- ودَبَّ إلينا مِن أناس عقارب
وأما استغرابي لقولك:
فتلك ثيران، وذي خرفان = وذي حمير .. كلهم إخوانُ
فكان منشأَه التحرجُ من المؤاخاة بين الخرفان والحمير. لكنني بعد إعمال النظر أدركت أن الجامع بينهم الانتماء إلى حظيرة "المغلوبية" و"المهزومية"، على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم، فاهتديت إلى ما رميت إليه، وندمت على إتعاب نظرك وناظرك بسبب قصور بصري.
جزاك الله خيرا، وأدامك لنا مفيد نافعا كما عهدناك ..
وسأعرج فيما بعد على قصيدتك الغراء الأخرى، فإن لي فيها مقالا ... جميلاً!
ـ[عصام البشير]ــــــــ[20 - Oct-2008, مساء 06:27]ـ
تقول: قد أصبح الحمار من أولي النهى!!
وأنت أدرى أنّ "قد" تكأة الشعراء؛ يتوكأون عليها، ويهشون بها على أبياتهم، ولهم فيها مآرب وأخرى ... وهي منقذتهم من الفراغ الذي ينتابهم في بناء قصيدهم. فهي و "طُراًّ" أختان شقيقتان. لذا، فإنني كلما رأيت "قد" في قصيدة استثقلتها، بالحق وبالباطل، واتهمتها بأنها جاءت حشواً لا عفوا؛ باستثناء "وكأنْ قَدِ" الجميلة الوقع والموقع.
ولحساسيتي المفرطة تجاه هذا الحرف، أقترح عليك أن يكون البيت كالتالي:
صار الحمار اليومَ مِن أُولي النهى!!
أو "الآنَ" مكان "يوماً".
أخي الكريم
يندر أن أجد في المنتديات ناقدا أديبا أريبا، يناقش بخبرة العارف، وحنكة المبدع. وغالب ما يقع لي نقد المعاني، وتقليب وجوه النظر فيها. وهذا على أهميته، ليس إلا جانبا واحدا من النقد.
كلامك - أخي الكريم - عن (طرا) صحيح بلا ريب، وكنتُ في صباي لا تكاد تخلو قصيدة لي من هذه الكلمة السحرية، التي تأتي كالماء البارد على الظمأ!
وأما (قد) فأقل قبحا في أغلب أحوالها.
هكذا يبدو لي - والله أعلم.
ومع ذلك، فالشاعر المتقن لصنعته اللفظية، لا يحتاج إلى هذه الزوائد، إلا لماما.
ولذلك، فإن بيتك الذي اقترحتَه، أفضل بلا ريب، لأن كل كلمة فيه، مستحقة لموضعها، غير نابية عنه.
أمّا عن تخريجك لتشبيه العدو بالأسد، فهو في غاية السداد. بيد أن لي تخريجا آخر أتمنى أن يروقك، وهو: أن الأسد ليس أسدا على الحقيقة، بل ضبع من ألأم الضباع، لكن نحن الذين نراه كذلك؛ وأن كل واحد منّا يحمل بين جنبيه أسداً كامناً، لكنه يتجاهله أو يتناساه بسبب حب الدنيا وكراهية الموت. وكأن صورة العدو انعكاس لذاتنا التي نود التنكر لها، لكنها مسلوبة من العدل والإنسانية لأنها مجرد قناع يخفي وراءه ضبعاً قذراً ..
وقديما قال جحظة:
أُصِبنا به فاستأسد الضبع بَعده ---- ودَبَّ إلينا مِن أناس عقارب
أحسنت بارك الله فيك.
وسأعرج فيما بعد على قصيدتك الغراء الأخرى، فإن لي فيها مقالا ... جميلاً!
أحمد الله أنك أتيتَ بالنعت، ولو بعد النقط (ابتسامة).
مرحبا بنقدك، أيها الكريم.
¥