وما ذكرتَه في هذا الفصل، خطر ببالي منذ شروعي في النظم، وترددت بين ذكر الضبع والنمر والببر والثعلب وغيرها، ولكنني أثبتّ الأسد لأن العبرة في هذه الأمثال المضروبة مطلق المشابهة، ولو من وجه واحد. ولا تشترط المشابهة من كل وجه. فكما أن المشابهة غير واقعة من كل وجه في الحيوانات الأخرى من الثيران والحمير والخرفان، فإنها أيضا غير حاصلة من كل وجه في حالة الأسد.
وقد ظهر لي من المشابهة أمور:
- أولها القوة البدنية.
- والثاني التسلط بالافتراس، وشدة الرغبة في اللحم.
- والثالث أن الناس يدعون له أنه الملك المتوج على الغابة كلها.
وأما ما يذكر من مدحه، فإنما يمدح بالجراءة، وهو مع ذلك معروف بألوان من الجبن. ذكر بعضها صاحب نهاية الأرب. ومما قاله (9/ 143): (وإن ألجئ الأسد إلى الهرب أو أحس بالصيادين تولى وهو يمشي مشيا رفيقا، وهو مع ذلك متلفت يظهر عدم الاكتراث، فإن تمكن منه الخوف هرب عجلا حتى يبلغ مكانا يأمن فيه، فإذا علم أنه أمن مشى متئدا، وإن كان في سهل وألجئ إلى الهرب جرى جريا شديدا كالكلب).
فالأسد – سلمني الله وإياك من براثنه - يظهر الشجاعة حيث لا خطر، وإلا عاد جبانا كالكلب. وهذا وجه من الشبه رابع.
وأما سؤالك عن الذي أقترحه من أجناس الحيوان للانتصار على الأسد، فلست أقترح جنسا واحدا، فالفرق في القوة البدنية كبير بين الأسد وبين الحيوانات الأخرى. وإنما أقترح أمرين:
- اتحاد الأجناس فيما بينها.
- ترك العيوب الفردية التي يتخبط فيها كل جنس. وهذا بيت القصيد.
ثم فوق هذا كله، فإن للأسد أسماء كثيرة تيسر ذكره في النظم بصيغ مختلفة (ابتسامة).
ومع ذلك فلستُ أدعي أن اختياري هذا هو الصواب قطعا.
كما لم ترقني عبارة "كلهم إخوان" في قولك
فتلك ثيران، وذي خرفان = وذي حمير .. كلهم إخوانُ
إن كان من جهة المعنى، فأظن المعنى صحيحا.
وإن كان من جهة الذوق الشعري، فلم يظهر لي في الكلمة عيب.
وإن كان من جهة علوم اللغة، فلا أدري ما الإشكال؟
فليتك توضح مرادك أكثر، بارك الله فيك.
عدا ذلك، فإن في البال علامتي استفهام حول بيتين اثنين (فقط)، أرجو أن تتفضل بإزالتهما، توضيحا أو تصحيحا:
_ مستنكرا منددا مسفّها = صار الحمار من أولي النهى!!
هذا على سبيل الاستهزاء، ولذلك جعلتُ بعد الشطر علامتي تعجب.
فهذا الحمار – أعزك الله – تكلف شيئا مخالفا لطبيعته، وهو الإنكار على الآخرين، وبيان أخطائهم، فكأنه من أصحاب الرأي، ومن أهل العقول الراجحة.
فلذلك استحق أن أسخر منه بهذا الكلام.
_ فراق للهزبر ذي الأفكارُ = وقال: أنت أنت يا حمارُ
وبارك الله فيك مرة أخرى.
ذي: اسم إشارة فاعل لـ (راق). و (الأفكار) نعت أو بيان أو بدل، تابع لاسم الإشارة في رفعه.
وقد تقرر أن الفاعل إذا كان مؤنثا تأنيثا مجازيا، جاز في عامله التأنيث والتذكير. قال تعالى: (ما كان صلاتهم عند البيتِ) وقال (فانظر كيف كان عاقبة مكرهم).
وذكروا أن التأنيث أرجح، لكونه الأغلب في القرآن، ونازع بعض النحاة في هذه الأرجحية. (يراجع شرحي الصوتي على شرح شذور الذهب، عند قول الناظم: يؤنث الفعل لتأنيثهما .. الخ).
وعلى كل حال فهو جائز اتفاقا، راجحا كان أو مرجوحا.
بل حتى الفاعل حقيقي التأنيث، يجوز في عامله الوجهان (التأنيث والتذكير) إن كان مفصولا بغير (إلا)، كما في بيتي هذا.
وعليه قول الشاعر:
إنَّ امرأ غرّه منكن واحدةٌ بعدي وبعدك في الدنيا لمغرورُ
والله أعلم.
ـ[أبو -الطيب]ــــــــ[18 - Oct-2008, مساء 09:30]ـ
الأخ الفاضل عصام البشير بارك الله فيك
أرجوزة ماتعة
لكن ألا ترى في قولك (صار الحمار من أولي النهى) كسرا: أوليس تقطيعه: صارَلحِْمَا [مستفعلن] ... رُمِنْ أُلِنْـ[متفعلن] ... نُهَا [فعو] فما هذه الأخيرة؟؟؟
وجزاك الله خيرا
ـ[عصام البشير]ــــــــ[18 - Oct-2008, مساء 10:00]ـ
الأخ الفاضل عصام البشير بارك الله فيك
أرجوزة ماتعة
لكن ألا ترى في قولك (صار الحمار من أولي النهى) كسرا: أوليس تقطيعه: صارَلحِْمَا [مستفعلن] ... رُمِنْ أُلِنْـ[متفعلن] ... نُهَا [فعو] فما هذه الأخيرة؟؟؟
وجزاك الله خيرا
أحسنت بارك الله فيك.
الصواب: (قد أصبح الحمار من أولي النهى!!).
ـ[الواحدي]ــــــــ[20 - Oct-2008, صباحاً 05:45]ـ
الأستاذ الفاضل: عصام البشير
¥