وليلَةٍ سِرْتُ فيها وابنُ مُزْنَتِها ////// كَمَيّتٍ عادَ حيّاً بَعْدَما قُبِضا
هنا يختطفك الشاعر الضرير من كرسيِّك الوثير، دون سابق إنذار، لتصطحبه في رحلته .. فترى عيانًا هلالاً يتحايل على الغيوم، ليرى الفضاء الفسيح، ويريه لغيره بنوره الساطع ... والرحلة قد تبدو لا غاية لها لمن شغل بصورها الخارجية. أمّا مَن ينفذ من الصورة إلى المعنى، فهو يعلم أنه مسافر إلى ... ذات المعرِّي، وعالمه النفسي ...
كأنَّما النّسْرُ قد قُصّتْ قوادِمُهُ ////// فالضّعْفُ يَكْسِرُ مِنه كلّما نهَضا
وحياة المعرِّي، كلَّما رآها، بدت له ليلاً طويلا يتخلّله بصيص أمل يلوح مرَّةً هنا ومرَّة هناك؛ لكن تلك الإضاءات لا تدوم ...
تلك الإضاءات، هي أحلى ما في العمر، بل هي العمر كلُّه ... والعمر: بدرٌ يحثُّ الخطى ويستحثُّ إضاءاته هربًا من النهاية. والنهاية: حياة أخرى، تبدأ بسطوع الشمس ...
أمَّا حياة الشاعر، فهي صور الذِّكريات البعيدة؛ تراها وتستحضرها، لكنَّك لن تعيشها من جديد ... إنَّها شبيهة بصورة الجوزاء على صفحة ماء: قريبة بعيدة ... والجوزاء هي صورة الحياة الحقيقية للشاعر، فهُما يشربان من ماء واحد: ماء الحياة ...
وكلَّما تعبت نجوم الحاضر وخَفَتَ نورها، تألّقت صور الماضي وازدادت وضوحًا ... ونجوم الحاضر تعبت .. وهي تودُّ لو تستريح .. وتعبُها مصدرُ شكواها ...
وإن كان لي عليك عتب، شيخنا عدنان، فهو على إغفالك لمطلع القصيدة والبيت الذي يليه ...
يقول، مخاطبًا الدنيا:
مِنْكِ الصُّدُودُ .. ومِنِّي بالصُّدُودِ رِضَا ///////// مَنْ ذَا عَلَيَّ بِهَذَا في هَوَاكِ قَضىَ؟!
والاستفهام ليس استفهام مستفسر، بل استفتاء مشفق على نفسه؛ لأنَّه يعلم أنَّ حُبَّ الدنيا مما غرسه الله في طبائع البشر ...
وهذا البيت، يكفي أن تقرأه ليتنزَّل معناه على قلبك ... إذا قرأتَه طربتَ وتعجَّبت .. وكلَّما أَعدتَ قراءتَه، طربتَ مِن جديد، وازداد عجبُك!
ثم يقول:
بِي مِنْكِ مَا لَوْ غَدَا بِالشَّمْسِ مَا طَلَعَتْ ///////// مِنَ الكَآبَةِ .. أَوْ بِالْبَرْقِ مَا وَمَضَا
الله أكبر!
ما هذا؟ هل هذا هو الشعر؟
لئن كان كذلك، فقَدْ فاتَنا الكثير منه ...
ولعلَّه ممّا لا يقبل الكثرة .. نادر، متفرِّد تفرُّدَ الجواهر الكريمة ...
وكان زكي مبارك إذا أعجبه بيت شعر يقول مستملِحًا: "هنا سجدة! " وفي كلامه تزندُق ... لكن، إذا كان يعني بالسجدة: الإقرار لصاحب الشعر بالإبداع، فذلك واجب في هذا الموضع ...
وهذان البيتان: هما خلاصة معاناة المعرِّي في حياته. ولو صحّ أن نضع لهما عنوانًا، لكان: "هذه هي حياتي" (عنوان طحسينيُّ النَّفَس/ابتسامة ... ) أو: "مِنِّي .. ومِنها". ثم إذا تأمّلت، وجدتَ أنّهما لا يحتاجان إلى عنوان، لأنّهما .. عنوان حياة!
بوركتَ شيخَنا عدنان، وعفا الله عن شيخ معرّة النعمان ...
ـ[الواحدي]ــــــــ[24 - Jul-2009, صباحاً 10:37]ـ
ما هذا؟ هل هذا هو الشعر؟
لئن كان كذلك، فقَدْ فاتَنا الكثير منه ...
ولعلَّه ممّا لا يقبل الكثرة .. نادر، متفرِّد تفرُّدَ الجواهر الكريمة ...
قال أبو الطَّيّب، طيَّب الله ذكراه:
وَما الخَيلُ إلاَّ كالصَّدِيقِ .. قَلِيلَةٌ ///////// وَإنْ كَثُرَتْ في عَينِ مَنْ لاَ يُجَرِّبُ
إِذَا لَمْ تُشاهِدْ غَيرَ حُسْنِ شِياتِهَا ///////// وَأعْضَائِهَا فالحُسْنُ عَنكَ مُغَيَّبُ
والبيتان لهما مناسبة للمعنى الذي ذكرتُه عن "كثير الشعر الذي فاتنا" .. ولهما مناسبة أخرى، مِن وجه آخر، لما نحن فيه منذ أيَّام ...
وأَوْمَأْتُ إِيماءً خَفِيًّا لِحَبْتَرٍ --- ولله عَيْنَا حَبْتَرٍ أَيّمَا فَتَى!
...
ـ[ماجد مسفر العتيبي]ــــــــ[25 - Jul-2009, صباحاً 10:53]ـ
قصيدة لفارس اليمن عبد يغوث بن الحارث بن وقاص الحارثي قال يرثي نفسه بعد أن اسر في معركة كلاب الثانية مع تميم وقد عزمت تميم على قتله ثاراً لمقتل سيدها في ذلك اليوم النعمان بن مالك بن جساس, وقد شدوا على لسانه حتى لا يهجوهم فلما هموا بقتله اشار عليهم بان يطلقوا لسانه وانشد هذه الابيات المؤثرة الرائعة:
ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا ///////// فما لكما في اللوم نفع ولا ليا
ألم تعلما أن الملامة نفعها قليل ///////// وما لومي أخي من شماليا
فيا راكبا إما عرضت فبلغن ///////// نداماي من نجران ألا تلاقيا
أبا كرب والأيهمين كليهما ///////// وقيسا بأعلى حضرموت اليمانيا
أقول وقد شدوا لساني بنسعة: ///////// معاشر تيم أطلقوا من لسانيا
كأني لم أركب جوادا ولم أقل ///////// لخيلي كري كرة من ورائيا
ولم أسبإ الزق الروي ولم أقل ///////// لأيسار صدق عظموا ضوء ناريا
وقد علمت عرسي مليكة أنني /////////أنا الليث معدوا عليه وعاديا
لحى الله قوما بالكلاب شهدتهم ///////// صميمهم والتابعين المواليا
ولو شئت نجتني من القوم شطبة ///////// ترى خلفها الكمت العتاق تواليا
وكنت إذا ما الخيل شمصها القنا ///////// لبيقا بتصريف القناة بنانيا
فيا عاص فك القيد عني فإنني ///////// صبور على مر الحوادث ناكيا
فإن تقتلوني تقتلوا بي سيدا ///////// وإن تطلقوني تحربوني ماليا
¥