وأما تغيير المعنى فظاهر التحريم والقبح، فلو تأملنا قول ابن الرومي " لقد أنزلت حاجاتي

(بواد غير ذي زرع) " قال ابن حجة الحموي "فقد كنى عن الرجل الذي لا يرجى نفعه، والمراد به في الآية الكريمة أرض مكة شرفها الله وعظمها"، "خزانة الأدب وغاية الأرب بتصرف يسير جدا"

فما أقبحه من اقتباس وكناية!!

وأما تغيير اللفظ يسيرا فالظاهر جوازه لأنه لا ينسبه إلى الله تعالى،فلا يعد تحريفا، قال ابن حجة في خزانة الأدب: " ثم اعلم أنه يجوز أن يغير لفظ المقتبس منه بزيادة أو نقصان أو تقديم أو تأخير أو إبدال الظاهر من المضمر أو غير ذلك " ا. ه

حكم الاقتباس من القرآن:

فرق العلماء بين الاقتباس في الشعر وبين الاقتباس في النثر، فذهب جمع من العلماء قديما وحديثا إلى تحريمه أو كراهته في الشعر مطلقا؛ طلبا لتنزيه القرآن أن ينسب شيء منه للشعر وقد نفى الله تعالى عنه ذلك في قوله: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ. إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ القَوْلُ عَلَى الكَافِرِينَ)

قال السيوطي في الاتقان: (وهذا كله إنما يدل على جوازه في مقام المواعظ والثناء والدعاء وفي النثر لا دلالة فيه على جوازه في الشعر وبينهما فرق، فإن القاضي أبا بكر من المالكية صرح بأن تضمينه في الشعر مكروه وفي النثر جائز)،

وممن ذهب إلى تحريمه من المعاصرين الشيخ ابن عثيمين –رحمه الله – قال في شرح البلاغة: "وأما إذا كان التضمين في الشعر فهو وإن طابق المعنى المراد فالذي يظهر لي أنه لا يجوز وأنه ممنوع، لأنه يتحول القرآن شعرًا، ولأنه يسقط من أعين الناس تعظيمه وتكريمه"،

وسئل الشيخ العلامة عبد المحسن العباد عنه في دروسه في شرح سنن الترمذي، فقال: "القرآن لا يصلح أن يؤتى به على طريقة الشعر، ولكن بعض العلماء يأتي أحيانا بجملة من القرآن ضمن بيت ولا نشك أن ترك ذلك والبعد عنه هو الذي ينبغي"

وذهب بعض العلماء إلى جواز الاقتباس من القرآن في الشعر إذا كان ذا معنى محترم، كالوعظ والتذكير أو مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد توهم البعض أن ممن أجازه الأستاذ أبو منصور الاسفراييني واحتجوا بأبيات شعرية له ضمنها شيء من القرآن، قال السيوطي في الاتقان: "وذكر الشيخ تاج الدين بن السبكي في طبقاته في ترجمة الإمام أبي منصور عبد القاهر بن الطاهر التميمي البغدادي من كبار الشافعية وأجلائهم أن من شعره قوله

يا من عدا ثم اعتدى ثم اقترف،،، ثم انتهى ثم ارعوى ثم اعترف

أبشر بقول الله في آياته،،، إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف

وقال استعمال الأستاذ أبي منصور مثل هذا الاقتباس في شعره له فائدة فإنه جليل القدر والناس ينهون عن هذا وربما أدى بحث بعضهم إلى أنه لا يجوز

وقيل إن ذلك إنما يفعله من الشعراء الذين هم في كل واد يهيمون ويثبون على الألفاظ وثبة من لا يبالي وهذا الأستاذ أبو منصور من أئمة الدين وقد فعل هذا وأسند عنه هذين البيتين الأستاذ أبو القاسم بن عساكر،

قلت –السيوطي- ليس هذان البيتان من الاقتباس لتصريحه بقول الله وقد قدمنا أن ذلك خارج عنه." ا. ه

وخلاصة القول أن الذي ترتاح له النفس وتبرأ به الذمة وتُتقى به الشبهات، ترك الاقتباس من القرآن وتضمينه الشعر وإن كان ذا مقام شريف؛ احتراما وتعظيما وتنزيها له عما نزهه الله عنه .. والله تعالى أعلم

وأما الاقتباس في النثر فجائز بشروط؛ دل على ذلك أحاديث كثيرة اشتملت على بعض آيات من القرآن، منها قوله صلى الله عليه وسلم: " عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم خَرَجَ إِلَى خَيْبَرَ فَجَاءَهَا لَيْلًا. وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَوْمًا بِلَيْلٍ لَا يُغِيرُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُصْبِحَ. فَلَمَّا أَصْبَحَ خَرَجَتْ يَهُودُ بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ! مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ! خَرِبَتْ خَيْبَرُ! إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ، فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ"

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015