فقال الغلام: ذات الدلال الكامل والجمال الوافر والنطق الفصيح التي يهتز نهدها ويرتاح ردفها.

فقال له الحجاج: أخبرني عن أول من نطق في الشعر؟

فقال الغلام: آدم عليه السلام وذلك لما قتل قابيل أخاه هابيل.

أنشد آدم يقول:

بكت عيني وحق لها بكاها ... ودمع العين منهمل يسيح

فما لي لا أجود بسكب دمع ... و هابيل تضمّنه الضريح

رمى قابيل هابيلاً أخاه ... وألحد في الثرى الوجه الصبيح

تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر كشيح

تبدل كل ذي طعم ولون ... لفقدك يا صبيح يا مليح

أيا هابيل إن تقتل فإني ... عليك الدهر مكتئب قريح

فأنت حياة من في الأرض جميعاً ... وقد فقدوك يا روح وريح

وأنت رجيح قدر يا فصيح ... سليم بل سميح بل صبيح

ولست ميت بل أنت حي ... و قابيل الشقي هو الطريح

عليه السخط من رب البرايا ... و أنت عليك تسليم صريح

فأجابه إبليس يقول:

تنوح على البلاد ومن عليها ... وفي الفردوس قد ضاق بك الفسيح

وكنت بها وزوجك في نعيم ... من المولى وقلبك مستريح

خدعتك في دهائي ثم مكري ... إلى أن فاتك العيش الرشيح

فقال الحجاج: أخبرني يا غلام عن أجود بيت قالته العرب في الكرم؟

فقال الغلام: هو بيت حاتم طي.

حيث يقول: ـــ

وأكرم الضيف حتما حين يطرقني ... قبل العيال على عسر و إيسار

فقال الحجاج: أحسنت يا غلام وأجملت وقد غمرتنا ببحر علمك فوجب علينا إكرامك ثم أمر له بألف دينار وكسوة حسنة

و جارية وسيف وفرس.

وقال الحجاج في نفسه: إن أخذ الفرس نجا وإن أخذ غيرها قتلته فلما قدمها له.

ثم قال الحجاج: خذ ما تريد يا غلام فغمزته الجارية.

وقالت: خذني أنا خير من الجميع فضحك الغلام وقال ليس لي بك حاجة وأنشد يقول:ـــ

و قرقعت اللجان برأس حمراً ... أحب إلىّ مما تغمزني

أخاف إذا وقعت على فراشي ... وطالت علتي لا تصحبيني

أخاف إذا وقعنا في مضيق ... وجار الدهر بي لا تنصريني

أخاف إذا فقدت المال عندي ... تميلي للخصام وتهجريني

فأجابته الجارية تقول:ــ

معاذ الله أفعل ما تقول ... ولو قطعت شمالي مع يميني

وأكتم سر زوجي في ضميري ... وأقنع باليسير وما يجيني

إذا عاشرتني وعرفت طبعي ... ستعلم أنني خير القرين

فقال الحجاج: ويلك ألا تستحين تغمزينه وتجاوبينه بالشعر.

فقال الغلام: إن كنت تخيرني فإنني أختار الفرس أما إن كنت ابن حلال فتعطيني الجميع.

فقال الحجاج: خذهم لا بارك الله لك فيهم.

فقال الغلام: قبلتهم لا أخلف الله عليك غيرهم ولا جمعني بك مرة أخرى.

ثم قال الغلام: من أين أخرج يا حجاج؟

فأجابه الحجاج: أخرج من ذاك الباب فهو باب السلام.

فقال الجلساء للحجاج: هذا جلف من أجلاف العرب أتى إليك وسبك وأخذ مالك فتدله على باب السلام ولم تدله على باب النقمة والعذاب؟

فقال الحجاج: إنه استشارني والمستشار مؤتمن ...

وخرج الغلام من بين يدي الحجاج سالماً غانماً بفضل ذكائه وفهمه ومعرفته وحسن إطلاعه

الموضوع منقول

ـ[حمد الإدريسي]ــــــــ[28 - Feb-2008, مساء 01:46]ـ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخي الفاضل وددت إن أتيتني بإسناد هذه القصة حتى إذا ذكرتها ذكرتها وأنا مطمئن

وجزاك الله خيرا

طور بواسطة نورين ميديا © 2015