ألمي وعظمت حسْرتي لأنّنا إذا سرنا في هذا الطّريق يزولُ الإعرابُ مِنْ لُغَة القُرْآن وتبْعُدُ عن أصْلِها كُلَّ البُعْدِ كما بعدتْ أُخْتاها.» [48] (تقويم اللّسانين.141 - 140).
وفي هذا رد على منكري الإعراب ومنهم صديق الهلالي باول كاله ( Paul Kahle) الذي عقد في كتابه (الذخائر القاهرية) فصلاً عنوانه: نص القرآن العربي، يقول فيه:
«جُمِعَ نص القرآن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بمدة وجيزة في عام 632م، وأخذ شكله النهائي في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان655 - 644م، وهنا قامت مشكلة كيف يُقرأ هذا النص ويرتل؟
فقد ولد محمد صلى الله عليه وسلم بمكة، وانحدر _كمعظم مواطنيه_ من القبيلة العربية: قريش.
وكانت اللغة العربية التي يتكلمها هي لغة المواطن المثقف في مكة.
والنص القرآني الخالي من الضبط بالشكل يعكس بوضوح اللغة العربية التي كانت تتكلم في مكة، غير أنّ العرب كانوا قد تعودوا أن يعدوا اللغة البَدَوية نموذجًا للنطق الصحيح، فبهذه اللغة نظم الشعر العربي الجاهلي، وكان كل عربي مزهوا بذلك.
وإذا كانت كلمة الله لا يصح أن ترتل بلغة أقل مستوى من أي [في الأصل: أية] لغة أخرى، فقد بدأت العواصم الإسلامية في ذلك العصر المبكر _في الكوفة، و البصرة، و المدينة، و مكة_ دراسة نشيطة للشعر البدوي، فكان الرجال المهتمون بهذا النمط في اللغة العربية يذهبون إلى جيرانهم من البدو، ويجمعون ما أمكنهم من أشعارهم، وما يتصل بها من الحكايات، وهي في الغالب أخبار عن الحروب الصغيرة التي جمعت تحت عنوان: أيام العرب.
وقد اتُّخِذت المادة التي جمعت بهذه الطريقة أساسًا للعربية النموذجية التي ابتدعها النحويون، ثم حذيت لغة القرآن على نمطها، ومع ذلك لم تتغير كتابة المصحف، بل ابتدعت طريقة تُضاف فيها علامات مختلفة إلى النص، لضمان صحة القراءة.» [49]
قال د. رمضان عبد التواب: « ... وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "إنّ إعراب القرآن لأحب إليّ من حفظ بعض حروفه." وقال ابن مسعود: "جودوا القرآن وزينوه بأحسن الأصوات، وأعربوه؛ فإنه عربي، والله يحب أن يُعرب".
وقد علق كاله على كلمة: "إعراب" في نص أبي بكر الصديق، بقوله: الإعراب يعني الحركات في أواخر الكلمات العربية طبقًا لقواعد العربية الفصحى.
وقد استنتج كاله من ذلك أنّ الإلحاح على طلب قراءة القرآن بالإعراب لا يبدو معقولا إلاّ إذا كان يُقرَأ في الواقع بدون إعراب، وأُرِيدَ له أن يُقرأ بالإعراب الذي عُدَّ في وقت متأخر من مظاهر القُحَّة اللغويّة.
وهو مخطئ في استنتاجه ذلك، لأنّ الإعراب بمعناه الاصطلاحي لم يكن معروفًا في أيام أبي بكر وابن مسعود.
ومعنى كلمة إعراب القرآن في هذه الأحاديث _إن لم تكن مزيفة_ هو الوضوح والبيان في قراءة القرآن الكريم.» [50]
الخاتمة:
نتائج:
- جهود علماء المغرب العربي كبيرة ومباركة في خدمة اللغة العربية لسان الوحي الإسلامي.
- تقصير علماء العربيّة في معرفة اللّغات السّاميّة، وأثر ذلك في نعت كثير من المفردات العربية ب"الدخيل".
- دور الدراسة المُقارِنة للّغات السّاميّة في التّأصيل اللّغوي.
- خلاصة رأي د. محمّد تقيّ الدّين الهلالي في المُعرّب:
- وقوع المُعرّب في اللّغة العربيّة منذ عصور الفصاحة.
- بعض كلمات القُرآن الكريم عُدّت مُعرّبة وليست عربيّة، وهي نوعان:
* كلماتٌ مشتركةٌ بين اللُّغات السّاميّة (العربيّة القديمة): فهي عربيّةٌ أصيلة وليست مُعرّبة لانحدارها إلى اللّغة العربيّة من نفس الأصل السّامي المشترك، فليست إحدى اللّغات السّاميّة أولى بها من الأُخرى.
* كلمات أصولها غير ساميّة: فهي مُعرّبة عرّبتها العرب قبل الإسلام ووقع بها البيان ثُمّ نزل بها القرآن الكريم.
- الإعراب ظاهرة أصيلة في اللغة العربية وأخواتها الساميات فلا مجال لإلغائه كله أو بعضه.
توصيات:
- ضرورة الاهتمام بالإنتاج اللغوي المغربي.
- ضرورة إدراج مقياس اللغات السامية في أقسام اللغة العربية وآدابها.
- أهمية البعثات العلمية إلى الدول المتقدمة التي تدرس التراث العربي جنبا إلى جنب مع تراث حضارات الشرق الأوسط.
طلب:
¥