قال محمّد تقيّ الدّين الهلالي: « ... كلّ ما جاء في القُرْآن فهو عربيّ، سواء أكان عربيّا غير مشترك؛ أيْ خاصّا باللّغة العربيّة، أم كان لفظا مشتركا بين العربيّة وأخواتها السّاميّات، أم كان لفظا غير عربيّ في الأصل، ولكنّ العرب تكلّمت به فصار عربيا بالاستعمال ككلمتي جبريل وميكائيل، فكلّ ما بين دفّتي المصحف فهو عربيّ» [41]
وهذا المخطط يلخص رأيه في قضية المعرب في القرآن الكريم:
مثل: جبريل وميكائيل.
3/ظاهرة الإعراب:
أولا: معنى الإعراب:
أ /الإعراب في اللغة:
قال ابن فارس: ‹‹أعرب الرجل عن نفسه إذا بين وأوضح.›› [42]
وقال: ‹‹إعراب الكلام من هذا القياس لأن بالإعراب يفرق بين المعاني في الفاعل والمفعول والنفي والتعجب والاستفهام وسائر أبواب هذا النحو من العلم.›› [43]
ب/الإعراب في الاصطلاح:
عرفه ابن هشام بقوله: ‹‹أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل في آخر الكلمة.›› [44]
والمراد بالأثر: ما يحدثه العامل من الحركات الثلاث أو السكون وما ينوب عنها.
ثانيا: أهمية الإعراب:
قال أبو القاسم الزجاجي [ت337ه]: ‹‹فإن قال قائل: قد ذكرت أن الإعراب داخل في الكلام فما الذي دعا إليه واحتيج إليه من أجله؟
فالجواب أن يقال: إن الأسماء لما كانت تعتورها المعاني و تكون فاعلة ومفعولة ومضافة ومضافا إليها، ولم يكن في صورها و أبنيتها أدلة على هذه المعاني، بل كانت مشتركة جعلت حركات الإعراب فيها تنبئ عن هذه المعاني.›› [45]
ثالثا: إنكار الإعراب:
جميع النحاة يرون أن حركات الإعراب تدل على المعاني المختلفة التي تعتور الأسماء من فاعلية أو مفعولية أو إضافة أو غير ذلك.
وخالف في القديم أبو علي محمد بن المستنير المعروف ب قطرب إذ يقول: ‹‹وإنما أعربت العرب كلامها لأن الاسم في حالة الوقف يلزمه السكون للوقف، فلو جعلوا وصله بالسكون أيضا لكان يلزمه الإسكان في الوقف والوصل، وكانوا يبطؤون عند الإدراج فلما وصاوا أمكنهم التحريك، جعلوا التحريك معاقبا للإسكان ليعتدل الكلام.››
قال السيوطي: ‹‹لو كان كما ذكر لجاز جر الفاعل مرة ورفعه أخرى ونصبه وجاز نصب المضاف إليه، لأن القصد في هذا إنما هو الحركة تعاقب سكونا يعتدل بها الكلام، فأي حركة أتى بها المتكلم أجزأته فهو مخير في ذلك.›› [46]
يقول الدكتور إبراهيم السامرائي عن رأي قطرب: «وهذا الرأي غريب في جملته، وقد انفرد فيه صاحبه، ولم يؤيده فيه إلا الدكتور إبراهيم أنيس بعد أحد عشر قرنا، ووجه الخطل في هذا الرأي أن العربية كانت معربة منذ أقدم العصور والنصوص شاهدة على ذلك.» [47]
ومن المتحمسين لإلغاء الإعراب لأنه صعب ومعقد بزعمهم بعض دعاة تيسير اللغة العربية.
رابعا: الإعراب في اللغات السامية:
قال محمّد تقيّ الدّين في معرض حديثه عن خطإ في النّطق وهو حذف تاء التّأنيث المُتَحَرِّكة والاقتصار على حركة ما قبلها وهي الفتحة فبعضهم يمدّها فينشأ عنها ألِف وأكثرهم لا يمدّها مثل: الأجهزَ الإِعلاميّة والأسمدَ الكيماويّة والطّاقَ البشريّة: « ... والعجب كلّ العجب أنَّ هذا الفساد نفسه قد سبق إليه العبرانيّون والسّريانيّون منذ آلاف السّنين، فإنَّ الرَّأْي الصّحيح الذي عليه المُحقِّقُون من علماء هذا الشّأن أنَّ اللُّغة العربيّة هي الأصل وسائر اللّغات السّاميّة تفرّعت عنها كما العامّيّة عن الفصحى ومن العجب أنَّ التّطوُّر الذي وقع في اللّغة العبرانيّة واللّغة السّرْيانيّة هو بعينه الذي وقع في اللّغة العاميّة، فإنَّ العبرانيّة والسّريانيّة كان فيهما إعراب في الأصل ولا تزالُ بقاياه في اللُّغة العبرانيّة ولمّا كثر الجهلُ بالقواعد فيهما أخذ الإعرابُ يزولُ شيئًا فشيئًا، حتّى صار معدوما بالمَرَّة، ولنضرب لذلك مثلا: المرأة في اللّغة العبرانيّة اسمها "اشه" وأصلُها "اشة" فتقولُ مثلاً "ها اشه طوبه" فمعناه: المرأة الطّيِّبة. و"ها" هي أداة التّعريف بمنزلة الألف واللاّم في العربيّة، فالأصل "هااشة طوبة" فلمَّا وقع الفسادُ وتغيّرت اللُّغة عن أصلها وانحرفت عنه حُذِفت هاء التّأنيث في الكلمتين وأُبْدِلت بألف مدّ كما يُقالُ في العامّيّة:"الغُرفا العاليا"،وعربِيَّتُها في الأصل: "الغُرفة العالية". والدّليلُ على ذلك أنَّك إذا أضفتَ كلمة "اشه" يظهرُ الأَصلُ فتقول "اشة خا طوبة" معناه امرأتُك طيِّبة، ولذلك اشتدّ
¥