وممن قوَّى هذا الحديث النووي، حيث قال: (إسناده حسن) المجموع (4/ 74)
وقال الحافظ في النتائج (2/ 113): (هذا حديث حسن) وفي (2/ 115) أوردَ كلامَ العقيلي في حسن ابن محمد ولم يتعقبَّه.
والذي يبدو أنَّ هذا الحديثَ لا يصح، فإن حسنَ بن محمد فيه جهالة، وقد تفرَّد به عن ابن جريج، وتفرُّد مثله عن ابن جريج غيرُمقبول.
وأما حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه فقد رواه أبويعلى في مسنده (1069) والبخاري في التاريخ الكبير (1/ 147) ولم يَسُقْ لفظَه، والطبراني في الأوسط (4768) ومن طريقه الحافظ في نتائج الأفكار (2/ 115) من طريق يمان بن نصر عن عبد الله بن سعد المزني عن محمد بن المنكدر عن محمد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي سعيد رضي الله عنه قال:
رأيتُ فيما يرى النائمُ، كأني تحتَ شجرةٍ، وكأنَّ الشجرةَ تقرأُ (ص) فلما أتَتْ على السجدةِ سجَدَتْ فقالت في سجودها: اللهم اغفر لي بها، اللهم حُطَّ عني بها وزراً وأَحْدِثْ لي بها شكراً، وتقبَّلها مني كما تقبلتَ من عبدك داود سَجْدتَه.
فغدوتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرتُه فقال:
"سجدتَ أنتَ يا أبا سعيد؟ ". قلت: لا، قال: "فأنتَ أحقُّ بالسجود من الشجرة" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة (ص) ثم أتى على السجدة، وقال في سجوده ما قالت الشجرة في سجودها.
قال الطبراني: (لا يُروى هذا الحديثُ عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، تفرَّد به اليمان بن نصر).
ويمان بن نصر مجهول.
ومحمد بن عبد الرحمن بن عوف ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وابنُ فتحون في الصحابة، وقال: (ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أكبر ولد عبدالرحمن، وبه يكنى، وهو قليل الرواية).
وأما عبد الله بن سعد المزني، فقد قال ابن حجر: (ما عرفته).
ينظر: نتائج الأفكار (2/ 116) والإصابة (9/ 313).
وهذا الإسناد ضعيفٌ جداً، حيث تفرَّد به يمان بن نصر عن عبدالله بن سعد عن ابن المنكدر.
وأما حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، فرواه ابن السُّنِّي في عمل اليوم والليلة (775) عن عمر بن سهل عن زكريا بن يحيى بن مروان الناقد عن خليل بن عمرو عن محمد بن سلمة عن الفَزَاري عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى رضي الله عنه قال:
رأيتُ في المنام كأني جالسٌ في ظلِّ شجرةٍ، ومعي دَواةٌ وقرطاس، وأنا أكتب من أول (ص) حتى بلغتُ السجدةَ، فَسَجَدَت الدواةُ والقرطاس والشجرة، وسمعتُهنَّ يَقُلْنَ في سجودهن: اللهم احْطُطْ بها وزراً، وأَحْرِزْ بها شكراً، وأَعْظِمْ بها أجراً.
وعُدْنَ كما كُنَّ، فلما استيقظتُ أتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته الخبر، فقال:
"خيراً رأيتَ، وخيراً يكون، نمتَ ونامت عينُك، توبةُ نبيٍّ ذكرت، تَرْقُبُ عندَها مغفرةً، ونحن نرقب ما ترقب".
والفَزَاري هو (محمد بن عبيد الله العَرزمي) كما ذكر الحافظ ابن حجرفي النتائج (3/ 130) قال: (وهو ضعيفٌ جداً، حتى قال الحاكم أبو أحمد: أجمعوا على تَرْكِه).
وأما حديث بكر عبد الله المزني، فقدأخرجه عبد الرزاق في المصنف (3/ 337) عن ابن عيينة عن عاصم ابن سليمان الأحول عن بكرٍ بن عبدالله المزني أنَّ رجلاً أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله:
رأيتُ كأنَّ رجلاً يكتب القرآنَ، وشجرةٌ حذاءَه، فلما مَرَّ بموضع السجدة التي في (ص) سجَدَتْ، وقالت: اللهم أَحْدِثْ لي بها شكراً، وأَعْظِمْ لي بها أجراً، واحططْ بها وزراً.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فنحن أحقُّ من الشجرة".
واختُلف في هذا الحديث على بكر بن عبدالله على أوجهٍٍ، ذكرَها الدارقطني في العلل (11/ 304) ورجَّحَ طريقَ مسدد عن هشيم بن بشير عن حميد الطويل عن بكر بن عبدالله عن رجل عن أبي سعيد.
وهذه الطريق رواها البيهقي في سننه الكبير (2/ 320) وغيرُه.
وبغضِّ النظر عن الراجح من تلك الأوجه، فقد راجعتُ ما وقفتُ عليه من ألفاظها، فلم أجدْ في أيٍ منها ذكراً للدعاء، إلا في مرسل بكرالمزني.
وبناءً على ذلك، يتبيَّن أنَّ أقوى ما وردت به الصيغة الثانية حديثُ ابن عباسٍ رضي الله عنه -على ما فيه من الضعف الذي سبق بيانه- وأما بقية الشواهد؛ فلا تصلح للاستشهاد، وذلك لما يلي:
أما حديثا أبي سعيدٍ وأبي موسى فضعيفان جداً.
وأما مرسل بكرٍ المزني فقد اختُلف فيه، ولم تُذكر هذه الصيغة فيما وقفتُ عليه من أوجه الاختلاف التي أشار إليها الدارقطني سوى طريق بكرٍ المرسلة، على أنه رحمه الله قد صوَّب طريق بكر بن عبد الله المزني عن رجلٍ عن أبي سعيدٍ، وهذه الطريق مع ضعفها؛ لم يُذكر فيها الدعاء.
ومن خلال العرض السابق، يتبيَّن لي أنه لايثَبت دعاءٌ مخصوصٌ لسجود التلاوة، وإنما يدعو المسلمُ فيه بما يدعو به في سجود الصلاة.
قال أبو داود: سمعت أحمد سئل عما يقول الرجل فيسجود القرآن؟
قال: أما أنا فأقول: (سبحان ربي الأعلى).
مسائل أبي داود (صـ93).
وقال ابن هانئ: صلَّيتُ إلى جَنبِ أبي عبدالله، فقرأَ الإمام (ألم، تنزيل السجدة) فبلغ إلى السجدة، فسجد. وسمعته يقول: سبحان ربي الأعلى، كما يقول في سائر السجود.
مسائل ابن هانئ (صـ98).
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
¥