دلالة الفاء في العربية

ـ[الدكتور / فتحي خطاب]ــــــــ[16 - Jul-2010, مساء 12:33]ـ

دلالة الفاء في العربية

ـــــــــــــــــــ

د. فتحي حسن علي خطاب. كلية الآداب ـ جامعة سبها. ليبيا

مقدمة

الفاء: حرف هجاء، وهو حرف مهموس، يكون أصلا وبدلا،ولا يكون مصوغا في الكلام،إنما يزاد في أوله للعطف.

والفاء من حروف العطف، وتدل على الترتيب والتعقيب دون الإشراك نحو ضربه فبكى، وضربه فأوجعه، إذا كان الضرب علة البكاء والوجع، وتكون للابتداء وذلك في جواب الشرط،كقولك: إن تزرني فأنت محسن، ويكون ما بعد الفاء كلاما مستأنفا يعمل بعضه في بعض؛ لأن قولك أنت ابتداء ومحسن خبره، وقد صارت الجملة جوابا بالفاء، والفاء على ثلاثة أنماط هي: الفاء العاطفة، والفاء الرابطة، والفاء الزائدة.

النمط الأول: الفاء العاطفة

الفاء العاطفة تفيد ثلاثة أمور هي: الترتيب، والتعقيب، والسببية

أولا: الترتيب وهو نوعان

1ـ الترتيب المعنوي: وهو أن يكون زمن تحقيق المعنى في المعطوف متأخرا عن زمن تحقيق المعنى في المعطوف عليه، وذلك نحو قولنا (قام زيد فعمر) فزمن قيام عمرو متأخر عن زمن قيام زيد، أو نحو قولنا: (نفعنا بذر القمح للزراعة فإنباته، فنضجه فحصاده).

أي: زمن البذر سابق على الإنبات،والنضج ما بعده.

ومنه قول ابن مالك:

والفاء للترتيب باتصال وثم للترتيب بانفصال (1).

والمراد بالترتيب المعنوي أن يكون المعطوف بها لاحقا متصلا بلا مهلة.

2 ـ الترتيب الذكري: وهوأن يقع المعطوف به بعد المعطوف عليه بحسب التحدث عنهما في كلام سابق وترتيبها فيه، لا بحسب وقوع المعنى على أحدهما، كأن يقال

1

لمؤرخ:حدثنا عن بعض الأنبياء كآدم،ومحمد، ونوح ـ عليهم السلام ـ فيقول:

نكتفي اليوم بالحديث عن محمد فعيسى، فوقوع عيسى بعد الفاء لم يقصد به هنا الترتيب الزمني التاريخي؛ لأن زمن عيسى أسبق في التاريخ الحقيقي من زمن محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ،وإنما قصد مراعاة الترتيب الذكري أي: (اللفظي)، الذي ورد أولا في كلام السائل، وتضمن ذكر محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل عيسى (عليه السلام). كما يدخل في الترتيب الذكري عطف المفصّل على المجمل (2)، نحو قوله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} (البقرة:36) فالفاء في (فأزلهما) عاطفة على قوله (ولا تقربا)، والفاء في (فأزلهما) للتفريع مجردة عن التعقيب،فيكون التفريع عرفيا؛ لأن وقوع الازلال كان بعد مضي مدة، هي بالنسبة للمدة المرادة من سكنى الجنة، وأما في قوله (فأخرجهما) فالفاء للتفريع عن أي، تفريع المفصّل عن المجمل لأن الازلال عن الجنة فصّل بأنه الإخراج (3).

وكذلك قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (البقرة:54) فالفاء في قوله: (فاقتلوا أنفسكم) ترتيب ذكري وهو عطف مجمل، بمنزلة من الجملة الأولى،والفاء الثانية مؤكدة للأولى، وهو ما ذهب إليه ابن عاشور، أي: عطف مفصل على مجمل (4). وهي عند الزمخشري للتعقيب، لأن المعنى: فاعتزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم من قبل أن يجعل الله توبتكم قتل أنفسكم، ويجوز أن يكون القتل تمام توبتهم فيكون المعنى: فتوبوا فاتبعوا التوبة تمام توبتهم فيكون المعنى: فاتبعوا التوبة القتل تتمّة لتوبتكم.

أما الفاء في قوله تعالى: (فتوبوا)، لتفريع الأمر على الخبر،وليست عاطفة يقول: (الفاء للتسبب لا غير،لأن الظلم سبب التوبة) (5).

ومن الترتيب الذكري ما يسمى بالترتيب الإخباري، ويقصد به مجرد الإخبار وسرد المعطوفات بغير ملاحظة ترتيب كلامي سابق، ولا ترتيب زمني حقيقي، وإنما يقصد منه وجود قرينة ذكر واحدة بعد أخرى.

وإفادة الفاء للترتيب عند الزمخشري على ثلاثة أنواع هي:

1 ـ إفادة ترتيب الصفات في الوجود كقول الشاعر:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015