ثانيًا: الدقة في الاستيعاب:

فاللغة العربية وضعت للشيءالحسي ـ بصفة خاصة ـ التسمية الجامعة المانعة، بحيث لا يدخل معها غيرها. ونسوق هنا سطورًا من كتاب "الفرق" لابن فارس اللغوي، وأغلبه في تحديد أسماء أعضاء الإنسان والحيوان، وما يتعلق بها:

1 ـ باب الشفة: الشفة من الإنسان، وهو من الإبل المشفر، ومن ذوات الحافر: الجحفلة،، ومن الطائر غير الجارح: المنقار، ومن الجارح: المنسر. ومن الذباب: النقط.

2 ـ باب الأصوات: صاح الإنسان، وصوت. وعزف الجني. وخارت البقرة، وتاج الثور. وبغم الظبي بغاما، وصهل الفرس. وحمحم عند الشعير. والخضيعة صوت يسمع من جوفه، ولا يدري من أين هو، ونهق الحمار ... إلخ.

ويرى الأستاذ العقاد ـ رحمه الله ـ في كتابه: "اللغة الشاعرة" أن اللغة العربية فاقت غيرها من اللغات، بما اشتملت عليه من تحديد دقيق لكل ساعة من ساعات الليل، والنهار، والشهور، والفصول، والمواسم وغيرها.

ولا مبالغة فيما ذكره العقاد؛ ففي "فقه اللغة" للثعالبي ـ وهو يتحدث عن "أوائل الأشياء".

الصبح أول النهار: الغسق: أول الليل. الوسمى: أول المطر. البارض: أول النبت. اللعاع: أول الزرع. اللباء: أول اللبن.

السلاف: أول العصير. الباكورة: أولى الفاكهة. البكر: أول الولد. الطليعة: أول الجيش. النهل: أول الشرب. النشوة: أول السُّكر. الوخْط: أول الشيب. النعاس: أول النوم. الزُّلف: أول ساعات الليل. الزفير: أول صوت الحمار.

وفي ساعات النهار: الشروق، ثم البكور، ثم الغدوة، ثم الضحى، ثم الهاجرة، ثم الظهيرة، ثم الرواح، ثم العصر، ثم القصْر، ثم الأصيل، ثم العشى، ثم الغروب.

وساعات الليل: الشفق، ثم الغَسَق، ثم العَتَمة، ثم السُّدْفة، ثم الجهمة، ثم الزُّلة، ثم الزلفة، ثم البُهْرة، ثم السَّحَر، ثم الفجر، ثم الصبح، ثم الصباح.

وأغلب هذه الكلمات لا تدور حاليًا على أقلام الكتاب، وألسنة المتكلمين من الخطباء والمحاضرين، ولكن هذا لا يقلل من قيمتها، ولا ينال من دلالتها على مرونة اللغة العربية واتساعها وشموليتها، وقدرتها الذاتية؛ فقلة توظيف الكلمة لا يقلل من قيمتها، كما أن كثرة دورانها على الألسنة والأقلام لا يكسبها من القيمة ما لا تستحقه.

**********

وما ذكرناه من سمات تكاد العربية تنفرد بها ـ وغيرها كثير ـ تقطع بأن العربية لغة غنية خالدة؛ لأنها ـ مهما تكالب عليها من محن ـ يبقى لها هذا الرصيد الضخم من القوة الذاتية التي تجعلها لغة قادرة في كل الظروف والأزمنة والأحوال.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015