للملام، فإن الجناح للذل مناسب وذاك أن الطائر إذا وهن أو تعب بسط جناحه وخفضه وألقى نفسه على الأرض وللانسان أيضا جناح فإن يديه جناحاه وإذا خضع واستكان طأطأ من رأسه وخفض من يديه فحسن عند ذلك جعل الجناح للذل وصار تشبيها مناسبا وأما الماء للملام فليس كذلك في مناسبة التشبيه».

هذا ما أورده الصولي وابن الأثير وقد عقب عليهما كثير من نقاد القرن الرابع الهجري ووفقوا منهما بين مؤيد ومعاكس فأخذ الآمدي برأي الصولي في كتابه الموازنة ولكن على أساس آخر من الفهم وعاب على أبي تمام استعماله استعارات شبيهة بماء الملام قال: «فمن مرذول ألفاظه وقبيح استعاراته قوله:

يا دهر قوّمّ أخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك

وقال:

سأشكر فرجة الليت الرخي ... ولين أخادع الدهر الأبي

وقال:

أنزلته الأيام عن ظهرها ... من بعد إثبات رجله في الركاب

وقال:

كأنني حين جردت الرجاء له ... غضّا صببت به ماء على الزمن

ثم قال: «وأشباه هذا مما إذا تتبعته في شعره وجدته فجعل كما ترى مع غثاثة هذه الألفاظ للدهر أخدعا ويدا تقطع من الزند وكأنه يصرع ويحل ويشرق بالكرام ويبتسم وان الأيام تنزلع والزمان أبلق وجعل للممدوح يدا وجعل للأيام ظهرا يركب والزمان كأنه صب عليه ماء» ولننظر الآن في ماء الملام- عند أبي تمام- أهو تعبير طبيعي؟ أهو تعبير سائغ مستحسن؟ إن إطلاق الماء وإضافته الى البكاء يثب بالذهن أولا الى الصورة المباشرة المعروفة للماء الذي يشرب والماء في البحار والمحيطات والأنهار ثم ماء المطر ومجرد أن تنطلق كلمة بكاء يتضاءل المعنى الأول فجأة وينكمش الى صورة جزئية هي بضع قطرات من الدمع ولكن على أية حال هناك صلة تجعل الصورة محتملة، أما ماء الملام فلا صلة البتة بين الماء والملام وإذا انطلقت كلمة ماء بمعانيها الاصلية والربطية ومعها كلمة الملام ومعانيها الربطية فلا يجمع بينهما صلة أو رابط مشترك من الصور الجزئية لذلك كان التعبير باردا مختلا لا يدل في الذهن على شيء لأنه لا صلة بين الملام والماء، أما ما احتج به الصولي من القرآن فلا يبرر ما اعتمده فإن كلمة السيئة اقترنت بكلمة الجزاء فأثارت معنى آخر مقابلا هو القصاص وقد سماه القرآن سيئة ولكن أصحاب البديع يحاولون الاستشهاد بالشاهد القرآني ليبرروا صناعة أبي تمام ومن نحا نحوه.

ووجدت للسكاكي رأيا يستهجن فيه قول أبي تمام قال فيه: «إن الاستعارة التخييلية فيه منفكة عن الاستعارة بالكناية وصاحب الإيضاح يمنع الانفكاك فيه مستندا بأنه يجوز أن يكون قد شبه الملام بظرف شراب مكروه فيكون استعارة بالكناية واضافة الماء تخييلية أو انه تشبيه من قبيل لجين الماء لا استعارة قال: ووجه الشبه ان اللوم يسكن حرارة الغرام كما أن الماء يسكن غليل الأوام، وقال الفاضل الجلبي في حاشية المطول: فيه نظر لأن المناسب للعاشق أن يدعي أن حرارة غرامه لا تسكن بالملام ولا بشيء آخر فكيف يجعل ذلك وجه شبهه» اهـ كلامه.

ورأيت في كتاب الكشكول للعاملي رأيا مطولا فيه ننقل خلاصته تتمة للبحث قال: إن للبيت محملا آخر كنت أظن اني لم أسبق اليه حتى رأيته في التبيان وهو أن يكون ماء الملام من قبيل المشاكلة لذكر ماء البكاء ولا تظن أن تأخر ذكر ماء البكاء يمنع المشاكلة فانهم حرصوا في قوله تعالى: «فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين» وان تسميته الزحف على البطن مشيا لمشاكلة ما بعده، وهذا الحمل إنما يتمشى على تقدير عدم صحة الحكاية المنقولة ثم أقول: هذا الحمل أولى مما ذكره صاحب الإيضاح فإن الوجهين اللذين ذكرهما في غاية البعد إذ لا دلالة في البيت على أن الماء مكروه كما قاله المحقق التفتازاني في المطول، والتشبيه لا يتم بدونه، وأما ما ذكره صاحب المثل السائر من أن وجه الشبه ان الملام قول يعنف به الملوم وهو مختص بالسمع فنقله أبو تمام الى ما يختص بالحلق كأنه قال: لا تذقني الملام، ولما كان السمع يتجرع الملام أولا كتجرع الحلق الماء صار كأنه شبيه به فهو وجه في غاية البعد أيضا كما لا يخفى، والعجب منه أن جعله قريبا وغاب عنه عدم الملاءمة بين الماء والملام، هذا وقد أجاب بعضهم عن نظر الفاضل الجلبي في كلام صاحب الإيضاح بأن تشبيه الشاعر الملام بالماء في تسكين نار الغرام إنما هو على وفق معتقد اللوام بأن حرارة غرام العشاق تسكن

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015