ومِن وجهٍ آخر هي واقعة موقع الْمفرد، كوقوع جملة الحال (يَبْكُونَ) موقع (باكين) في نحو قول الله تعالى: {وَجَآءُو?ا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ} ([18] ( http://majles.alukah.net/#_edn18)) ، ولا قائلَ بدلالة المفرد على معنىً يفيد فائدة الكلام في اصطلاح النحاة.
الوجه الثالث: قول الزمخشري في كتابه المفصل في حديثه عن الشرط: «إن ولو يدخلان على جملتين فيجعلان الأولى شرطا والثانية جزاء كقولك: إن تضربني أضربك، ولو جئتني لأكرمتك ـ» ([19] ( http://majles.alukah.net/#_edn19)) ، وقوله في حديثه عن أنواع الخبر: «والجملة على أربعة أضرب: فعلية واسمية وشرطية وظرفية، وذلك نحو: زيد ذهب أخوه، وعمرو أبوه منطلق، وبكر إن تعطه يشكرك وخالد في الدار ـ» ([20] ( http://majles.alukah.net/#_edn20)) .
لو تأملته جيداً لأينقتَ أنه لا يريد به حتما مرادفة (الجملة) لـ (الكلام) التي فُهِمت من قوله ـ الآنف الذكر ـ في مقدمة كتابه؛ لأن جملة الشرط لا تدل على معنى تام إلا بجملة الجواب، والخبر الواقع شرطاً في قوله: «وبكر إن تعطه يشكرك وخالد في الدار ـ» وإن سماه جملة شرطية إلا أنه لا معنى له إلا بالمبتدأ.
ثم إنه مرة عبر عن الشرط وجوابه بـ (الجملتين) في حديثه عن الشرط، ومرة عبر عنهما بـ (الجملة) في حديثه عن أنواع الخبر.
ففُهِم مِن ذلك أن الجملة لا تُرادِفُ الكلامَ عنده على ما تقتضيه إطلاقاته في كتابه، وإن سماه جملة عند حده لـ (الكلام) في أول كتابه.
الوجه الرابع: ما نُسِب إلى محمد بن يوسف ناظر الجيش ([21] ( http://majles.alukah.net/#_edn21)) من أنه قال في شرح التسهيل: «وأما إطلاق الجملة على ما ذكر من الواقعة شرطا أو جوابا أو صلة فإطلاق مجازي؛ لأن كلا منها كان جملة قبل فأطلقت الجملة عليه باعتبار ما كان كإطلاق اليتامى على البالغين نظرا إلى أنهم كانوا كذلك ـ» ([22] ( http://majles.alukah.net/#_edn22)) ، يرِدُ عليه أنّ إطلاق الجملة على الشرط، وجوابه، والصلة ما زال إطلاقاً حقيقياً؛ لأن التركيب الإسنادي المشروط في تسمية الْمركب جملةً لا يزول عن الْجملة أينما وقعت، سواءً كان لَها معنى يَحسن السكوت عليه فتسمى كلاماً، وجملة؛ لوجود التركيب الإسنادي، أم لا فتسمى جملة فقط؛ لأن الإسناد ملازم لها.
الوجه الخامس: قول الزمخشري في كتابه الْمفصل: «والكلام هو الْمركب من كلمتين أسندت إحداهما إلى الأخرى، وذاك لا يتأتى إلا في اسْمين، كقولك: زيد أخوك، وبشر صاحبك، أو في فعل واسم نحو قولك: ضرب زيد، وانطلق بكر، وتسمى الجملة ـ» ([23] ( http://majles.alukah.net/#_edn23))، فهمت منه أمراً غير الْمشهور عنه ـ والله à أعلم ـ، وهو أنه يريد أن يُخبِرَ أن الكلام لا يكون إلا بإسناد كلمة إلى أخرى، وهو الْمُسَمَّى بـ (الْجُملة)، أي الإسناد، لا أنه يُرادِف بين (الْجملة) و (الكلام)، وصنيعه في كتابه يدل على ذلك ـ والله أعلم ـ إذ كيف يقول الزمَخشري: «إن ولو يدخلان على جملتين فيجعلان الأولى شرطاً، والثانية جزاء كقولك: إن تضربني أضربك، ولو جئتني لأكرمتك ـ» ([24] ( http://majles.alukah.net/#_edn24)) مع أنه فُهم من كلامه ِمرادفة (الْجملة) لـ (الكلام)، وهو ـ هنا ـ صرح بأنَّ الشرطَ جملتان: (الأولى تسمى شرطاً، والثانية تسمى جزاءً)، ولا معنى لإطلاق مُسَمّى (الكلام) على أحد الجملتين دون الأخرى في اصطلاح النحاة.
ومحصل الأمر أن (الجملة) و (الكلام) يشتركان في اشتراط التركيب الإسنادي في كل منهما، ويفترقان في اشترط الإفادة في (الكلام) دون (الجملة)، وهذا معنى قول ابن هشام الأنصاري في المغني: «وبهذا يظهر لك أنهما ليسا مترادفين كما يتوهمه كثير من الناس … والصواب أنها أعم منه إذ شرطه الإفادة بخلافها ـ» ([25] ( http://majles.alukah.net/#_edn25)) أي ليسا مترادفين في اشتراط الإفادة؛ لأن جمهور النحاة اشترطوا الإفادة في (الكلام) دون (الجملة).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
حرره طالب علم
[/ URL]([1]) ـ ينظر: مسائل خلافية في النحو:35.
¥