ليست الممانعة، تاليا، شكل المقاومة الممكن في شروط يتمتع العدو فيها بتفوق عسكري وسياسي ساحق، بل هي شكل الحكم الذي يستبطن شرط تفوق العدو، ويتيح لنخب السلطة هامشا واسعا من الحصانة والاستئثار بالموارد المادية والمعنوية لمجتمعها. بعبارة أخرى، نجد مفتاح تفسير استمرار الممانعة في البنى الاستبدادية للسلطة، وإن نشأت أصلا من شروط غير مؤاتية لمواجهة العدو المحتل. وأن تنتقل عقيدة الممانعة من مجال المواجهة مع العدو إلى تمويه شكل نظام الحكم، فلأنه يراد لما يفترض أن يتمتع به المجال الأول من إجماع وطني أن يحجب عمليات وسياسات محلية، تقتضي طبيعتها بالذات أن تكون مثار تنازع وتجاذب اجتماعيين. فتعميم منطق السيادة العليا (وهي واحدة وغير تنازعية تعريفا) إلى مجال السياسة الداخلية، وهي أرض تنازع ومعارضة واختلاف، وظيفته تجريم الاعتراض السياسي وجعل الاحتجاج على السلطة خيانة للوطن. وفي سورية، وهي مثال للنظام الممانع، تتكفل حالة الطوارئ بضمان المطابقة بين السيادي والسياسي. وإذا كان أكثر الناس، في سوريا وربما خارجها، يعتقدون أن حالة الطوارئ فرضت بسبب الحرب مع العدو الإسرائيلي، فالفضل في ذلك لإيديولوجية الصمود والممانعة. في حقيقة الأمر فرضت حالة الطوارئ في ثاني بلاغ صدر عن قيادة الانقلاب البعثي الأول في 8 آذار 1963 (أعلن البلاغ الأول الاستيلاء على السلطة).

على أن مناقشة سياسة الممانعة تجازف بأن تغفل عن واقع أن الممانعة شرط ثقافي عربي. فعلاقة العرب المعاصرين بالعالم والحداثة اقرب ما تكون إلى ممانعة تجمع بين رفض الانخراط وتعذر المقاومة. ندير قفانا للعالم، ونحرن أو "نُتنِّح". لا ريب أن هذا الموقف يتغذى من البلاء الإسرائيلي الذي تسبب في احتقان عربي مقيم، وبث في علاقة العرب بالغرب المشكل لوجه العالم دينامية توتر وسخط متجددة. لكنه كذلك يعكس تكوين النخب السياسية والثقافية العربية المستفيدة من حالة التمنع والشلل النفسي والمعنوي كي تحتفظ بالسلطة السياسية والثقافية في مجتمعاتها. بعبارة أخرى، الممانعة هي الشرط الأنسب للاستبداد على الصعيد السياسي، ولتصدر نخب منابرية تجمع بين القَبَلية والعقم على الصعيد الثقافي. وإنما لذلك الممانعة سمة نظم عربية متصالحة مع إسرائيل، ونظم أخرى معتدلة وصديقة للأميركيين، فضلا عن النظم غير المتصالحة مثل سورية.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015