ـ[عصام عبدالله]ــــــــ[06 - Nov-2009, صباحاً 12:04]ـ

ملخص قول عبد القاهر الجرجاني (- 474) في دلائل الإعجاز 176 وما بعدها .. في سبب انقسام الجملة إلى: الجملة الاسمية والجملة الفعلية = ما يلي:

أن المتكلم يخبر بما يخبر لإثبات أمر أو نفيه.

أن هذا الإثبات يختلف نوعه باختلاف الاسمية والفعلية.

أن الفعل يثبت به المعنى للشيء ويقتضي تجدده شيئاً بعد شيء ومزاولته وتزجيته، ومثله: زيدٌ منطلقٌ.

وأن الاسم يثبت به المعنى للشيء من غير أن يقتضي تجدده، ومثله: زيد ينطلق.

واستشهد لذلك بأمثلة، منها قوله:

"فانظر إلى قوله تعالى (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) فإن أحداً لا يشك في امتناع الفعل هاهنا، وأن قولنا: كلبهم يبسط ذراعيه لا يؤدي الغرض. وليس ذلك إلا لأن الفعل يقتضي مزاولة وتجدد الصفة في الوقت، ويقتضي الاسم ثبوت الصفة وحصولها من غير أن يكون هناك مزاولة وتزجية فعل ومعنى يحدث شيئاً فشيئاً. ولا فرق بين (وكلبهم باسط)، وبين أن يقول: وكلبهم واحد مثلاً؛ في أنك لا تثبت مزاولة، ولا تجعل الكلب يفعل شيئاً، بل تثبته بصفة هو عليها. فالغرض إذا تأدية هيئة الكلب".

وجرى على ذلك السكاكي وملخصوه.

والخلاصة أن الجملة الاسمية تدل على الثبوت والاستمرار.

وأن الجملة الفعلة تدل على الحدوث والتجدد (بحسب نوع الفعل).

...

تتناغم الجملتان: الاسمية والفعلية في سوق الخبر إلى المخاطب.

وتتجلى قدرة الجملة الفعلية في تصوير الحدث المرتبط بالزمن بمرونة كبيرة، مستفيدةً ذلك من طواعية بنية الأفعال، وسهولة تصرفها مع الأزمنة، واستقلالها عن أن تبدأ باسم أو ضمير في أحوالها الثلاثة لا في الأمر فقط، واستغنائها في لسان العرب عن الأفعال المساعدة [الكينونة ( verb to be)/ الملكية ( verb to have)/ الفعل المطلق ( verb to do) ].

وتتمكن الأفعال فيها من إضمار الفاعلين والمفعولين بالحذف والاستتار في داخل بنيتها.

أما الجملة الاسمية فهي قطب الرحى الذي تدور حوله الجمل الفعلية، فإن المتغير يدور في فلك ما هو أثبت منه كما نعلم.

وفي كلام العرب حذف الفضول، وولع باللمحة الدالة، ولا حذف إلا لعمدة، وذلك إذا كان المحذوف معلوماً من السياق أو الحال.

أما الإعراب فظاهرة تتناغم مع التركيب تناغماً صوتياً من جهة، ومعنوياً من جهة أخرى، وتناغماً تجريدياً بين الوقف والابتداء والفصل والوصل.

ومن أجلّ فوائد الإعراب أنه يضفي مرونة على الصياغة بجواز التقديم والتأخير، واستبانة مواقع الكلم، ولفت الأسماع إلى التمييز والتفهم ...

ولا ننسى أن الرفع علامة على العمد غالباً؛ لأن الرفع من الرفعة، والرفعة للأثبت، الأثبت معتمد عليه، وملتف حوله، وأنه يكون مع النصب والجر في الفضلات، والأدوات السابقة مبنية.

قال عبد القاهر: الألفاظ مغلقة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها.

. . . (يتبع). . .

ـ[عصام عبدالله]ــــــــ[06 - Nov-2009, مساء 05:04]ـ

الحروف وحولها الحركات.

والجذور وحولها الزيادات.

والعمد وحولها الفضلات والأدوات.

هذه هي الآلات اللفظية التي صورها لنا النحويون تصوير العظام بأشعة ( x) = هي هي التي انطبعت في ذهن العربي من لدن كان .. إلى الآن.

وهذا البقاء لبنية اللسان العربي أحسبه مبشراً بأن اللسان الغربي باقٍ لم يمسسه سوء، رغم كل الادعاءات.

...

وأخيراً ..

وصف الله تعالي للسان في ذاته بأنه مبين في قوله تعالى: (بلسان عربي مبين)، وقوله (وهذا لسان عربي مبين) من أعظم الأدلة النقلية على تفضيل ذلك اللسان.

فهو موصوف بالعربية: وهي كلمة ذات معان لطيفة وشريفة، وموصوف بالإبانة: وهي خاصية من أكبر خواص الإنسان.

والمقابل القرآني للسان العربي هو اللسان الأعجمي.

وأقل ما يقال في اللسان الأعجمي أنه هو الذي لم يبلغ مبلغ اللسان العربي.

إن الألسنة اختلفت، وهي في اختلافها تفاضلت، وأفضلها هو اللسان الذي لم يعلم الناس مباديه؛ لأنها مغرقة في عمق التاريخ، ولم يشهد الناس يوماً أنه هرم، لأنه ما زال ينافس الألسنة المعاصرة المسنودة بالمال والسلاح والبحث والتقنية.

ما زالت الناس تطرب لآياته، وللفصيح والبليغ من أشعاره، أكثر مما تطرب لأشعار العوام والنبطي ونحوه.

ولا زال كتاب الله مغدقاً مورقاً، يقرأه سكان الأرض، فيعرّب ألسنة أعجمية، ويهذب ألفاظاً وحشية .. كتاباً لا يغسله الماء.

إن القول بأن اللسان العربي اصطلاح وتواضع بشري = قول روجه المعتزلة قديماً؛ اعتماداً على ترجيحهم العقل على النقل، وأشاعه المستشرقون حديثاً؛ قياساً على ألسنتهم المحرفة عن أصولها، وتلقاه كثير من الباحثين في هذا العصر ..

وقد تظاهرت أقوال سلف هذه الأمة الأطهار على أنها لغة شريفة الأصوات المسموعة والحروف المكتوبة، وأنها وحي من الله (وعلم آدم الأسماء كلها).

...

وكنت أحب أن أرسم آلة الكلمة وآلة الجملة في دوائر توضيحية؛ لتوضيح بساطة تركيبهما وعمقه؛ للتقريب، وعسى أن يكون ذلك قريباً (في موضوع جديد).

والحق أن الموضوع طويل وعميق وواسع .. ولكن مجال النظر فيه كبير وفوائده لطلاب العلم النافع من الباحثين والمقارنين لا تحصى.

وأشكر من كان سبباً في فتح هذا الباب (الأخ الفاضل ابن عبيد الفيومي والشيخ الفاضل أبو مالك العوضي)، ومن دخل فيه بإحسان، وأدلى فيه بدلوه، وزاد أو استزاد، وأكمل النقص، ورتب المشوش، واختصر الطويل، وطول الوجيز، وصور الكلمات، وتكلم عن الصور ....

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015