قدْ كان مَن سبقني إلَيْهِ .. ولستُ إلاَّ بانِياً عَلَيْهِ

والمنهَجُ الْمُتَّبَعُ المحمودُ .. يُنبِي عَن الْخُطَّةِ ويَرُودُ

مَحْتَرِزاً في جَدَدِ الدراسَهْ .. من بعض ما لا أَبْتَغي مَسَاسَهْ

ورُبَّما اجتازَ من الصِّعابِ .. كفَقْدِ بَعْضِ النَّظْمِ والكِتَابِ

خلاصةُ البَحْثِ أُمُورٌ عَشْرَهْ .. أمَّا التفاصيلُ فتُعْيِي كَثْرَهْ

وكان الاِقتراحُ في النهايهْ .. مُسْتَلْهَماً مِن قَبَسِ الهدايهْ

وقد تبدَّت لي أسباب كثيرة، تسوغ الاشتغال بالمنظومات بحثاً واستقصاء واستنتاجاً وتوجيهاً واستفادة، منها:

(1) أن كثيراً من المنظومات القديمة قد وصلت إلينا في هذا العصر، باقية على وَفق ما كتبها أصحابُها، متحديةً عواصف الزمان العاتية، وخطوبَ القرون المتعاقبة، التي تُدعثر صوامدَ الآثار وبواقيَ الأطلال.

(2) أن النحو العربي- وهو أوّلُ أولويّات الترقي العلميّ في سلّم ثقافتنا العربية الإسلامية بعد التجويد والقراءة والفقه - قد قُدّم منظوماً، إلى طلاب العربية، في أحيان كثيرة، ابتداءً من القرون الأولى، وانتهاءً بهذا القرن، وهي مدّةٌ ليست يسيرة، وطريقة لم تنقطع سنداً ولا متناً، في تاريخ هذا العلم، وفي تاريخ العلوم والمعارف الأخرى العربية الإسلامية، وفي تاريخ الثقافات البشرية.

(3) أن المنظومات قد كثرت كثرة تحتاج إلى حَصْر وتقويم، وتنوّعت مناهجها تنوّعاً يحتاج إلى دراسة وتأمّل، وتعددت شروحها وحواشيها وتعليقاتها وتقريراتها تعدّداً يحتاج إلى الاستفادة من هذا النوع من التأليف، وإلى دراسة أثره على النحو وعلى الثقافة بعامة .. سواء في ذلك الجوانب الفنية أم التاريخية أم الموضوعية ..

(4) أن هذا النوع من التآليف ارتبط في وعي المعلمين والطلاب والمؤلفين بتيسير العلوم، ومنها النحو، وتسهيل حفظها على الطلاب .. واقترن هذا الارتباط باختلاف مذاهب التيسير لدى بعض أعلام الفكر العربي الإسلامي والعلماء والمؤلفين والممارسين لهذا النوع في التعليم من المعلمين والطلاب (والمتعصبين أحياناً) قديماً وحديثاً، اختلافاً كان في شكل عرض المادة، وطرائق تبويبها، وتنسيقها وتقديمها واستظهارها واستحضارها والاختبار فيها والإجازة بها إلى العلوم الأخرى .. بين قائل يَصِمُ طريقة الاختصار والنظم والمتون بالعقم الإبداعي والتبلد الذهني وضياع الملكة والتصرف .. ومن أشهر القائلين بذلك: ابنُ خَلدون في المقدمة، والدكتور طه حسين .. وقائل تعلّم العلوم بها، ودَرِب عليها بعقله ولسانه .. مقولاتٍ تنأى إلى أقصى الأطراف .. وتنأى عن التوسط الفاضل .. تحتاج إلى سبر غور، وكشف أعماق.

(5) أن هذا البحث قد سبَقته بحوثٌ دَرسَت النظم من بعض جوانبه الفنية في كتب الأدب وتاريخه ونقده، ولم تُلِمّ بالنحو إلا عرضاً، ومن تلك الكتب: تاريخ آداب العرب، للأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي. والفن ومذاهبه في الشعر العربي، للدكتور شوقي ضيف. واتجاهات الشعر العربي في القرن الثاني الهجري، د. محمد مصطفى هدارة.

وبحوث دَرسَتْه من بعض جوانبه التاريخية في كتب تاريخ النحو؛ أنه تطوّر في التأليف النحوي ومنهج من مناهجه التأليفية والتعليمية؛، دراساتٍ مجملةً، ومن تلك الكتب: من تاريخ النحو، للأستاذ سعيد الأفغاني. ونشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة، للشيخ محمد الطنطاوي. والمدارس النحوية، د. شوقي ضيف. والمدرسة النحوية في القرنين السابع والثامن من الهجرة، د. عبد العال سالم مكرم. النحو التعليمي للدكتور محمد العبادي. والمقالات المتفرقة والدراسات المقارَنة .. ومقدمات نشرات التحقيق التي تسبق المنظومات المدروسة المنشورة.

وبحوث درسته دراسة تحليلية متنوعة المناهج والوسائل .. بقصد دراسة المادة النحوية ليس غير .. وقد تذكر إشارات إلى الجوانب الفنية .. وذلك في الشروح والحواشي والتعليقات ونحوها ..

ولكن هذا الموضوع، فيما اطلعت عليه، لم يحظ ببحث مستقل في جانب التأليف بعامة أو جانب النحو.

* * *

وانتهجت منهجاً يناسب هذا الموضوع، فحاولت الالتزام بأمور:

1. التعريف بمفهوم النظم العلمي لغة واصطلاحاً وبمقاصده وتاريخه .. والحكمُ فرع التصور ..

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015