(السغَب: الجوع، والقَراح: العَذْب، والشبِم: البارد، والنفَس من الماء: الذي يروي ويكفي. يذكر امرأته، ويسْتَنْزل عطاء عبد الملك بن مروان). ويقال: فلان يعلّل نفسه بتَعِلّة. وعلّله بحديث أو طعام. والمعلِّل: يوم في آخر الشتاء يعلّل الناس بشيء من تخفيف البرد.
* * *
شواهد من الشعر:
وأكثر ما جاء علّل والتعليل في الشعر على هذا المعنى الأخير، معنى الإلهاء والشَّغْل والصَّرْف والتسلية عن الشيء.
• قال عبدة بن الطبيب:
ثم اصْطَبَحْتُ كُمَيْتًا قَرْقَفًا أُنُفًا من طيّب الرّاح، واللّذاتُ تعليلُ
(كُميت: بين الأسود والأحمر، وقَرْقَف: يُرْعِد شاربَه، وأُنُف: لم يُشرَب، واصطبح: شرب صباحًا).
• وقال عَدِيّ بن الرِّقاع:
تصطادُ بهجتُها الْمُعَلَّلَ بالصِّبا عَرَضًا، فتُقْصِدُه، ولن يصطادَها
(البهجة: الحسن، وتُقصده: تقتله مكانَه).
• وقال جرير:
كم قد قطعن إليك من مُتَماحِلٍ جدْبِ الْمُعَرَّج، ما به تعليلُ
(متماحل: بعيد الأطراف، والمعرّج: الْمُناخ؛ أي للإبل، ما به تعليل: ما به مرعًى تُعلَّل به الإبل).
• وقال جرير أيضًا:
أجِدَّكَ لا يصحو الفؤاد الْمُعَلَّلُ وقد لاح من شيبٍ عِذارٌ ومِسْحَلُ
(أجِدَّك: أحقًّا، والعِذار: شعر جانب الوجه، والمِسْحل: ما تحت الذَّقَن).
• وقال الأحوص:
أزعمتِ أن صبابتي أكذوبة يومًا، وأن زيارتي تعليلُ
• وقال ابن الرومي:
فهلاّ بذلتِ الوعد ثم مطلتِه فعلّلْتِ تعليلَ المجامل ذي الْمَطْلِ
* * *
حجج التصحيح:
فهذا هو معنى هذا اللفظ واستعماله، ولم يجئ بمعنى ذكر العلة أو السبب، فيما أعلم. إلا في ما لا يُحتَجُّ به أو فيه شبهة سنكشفها، إن شاء الله.
1 - فمن ذلك ما صحّح به الشيخ محمد علي النجار هذا الاستعمال، وهو أنهم قالوا: الْمُعَلِّل، لدافع جابي الخراج بالعِلل، قال: " فعلى ذلك يُقال: علّل؛ أي: ذكر العلة أو العِلل " (ص142). والصواب أنه إنما سُمّي بذلك لأنه يدفع الجابي؛ أي يصرفه ويشغله عن المال، لا لأنه يذكر العِلل؛ أي الأعذار، ولو كان المراد ذلك لسمَّوْا كل ذاكر للعِلل مُعَلِّلاً، ولم نعلمهم فعلوا ذلك.
2 - ومن ذلك ما جاء في كتاب الإيضاح في علل النحو للزَّجَّاجيّ (توفي سنة 337) عن الخليل بن أحمد، قال: " وذكر بعض شيوخنا أن الخليل بن أحمد - رحمه الله - سئل عن العلل التي يَعتلّ بها في النحو، فقيل له: عن العرب أخذتها أم اخترعتها من نفسك؟ فقال: إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها، وعرفت مواقع كلامها، وقام في عقولها عِللُه، وإن لم يُنقَل ذلك عنها، واعتللْت أنا بما عندي أنه علة لما علّلتُه منه ... فإن سنح لغيري علة لما علّلتُه من النحو هو أليق مما ذكرته بالمعلول فليأت بها " (ص65 - 66). فترى أن فيه الاستعمال الذي أخطّئه. ولكن لا ثقة لنا بأن هذه ألفاظ الخليل، فالخبر غير مسنَد، وذكره مَنْ بينه وبين الخليل نحو مائتي سنة، وفيه لفظ مشهور التخطئة عند العلماء وهو: المعلول، فإن صحت نسبة هذا المعنى إلى الخليل فلن تصح نسبة هذه الألفاظ إليه.
3 - ومن ذلك قول العباس بن الأحنف:
خذوا ليَ منها جُرْعةً في زجاجةٍ ألا إنها - لو تعلمون - طبيبي
فإن قال أهلي: ما الذي جئتمُ به؟ وقد يُحسِنُ التعليلَ كلّ أريب
فقولوا لهم: جئناه من ماء زمزمٍ لنشفيَه من دائه بذَنوب
(الذنوب: الدلو) فعلى أنه لا يُحتجّ به؛ لأنه مُحدَث، هو ظاهر الاستقامة على الاستعمال القديم، ويدلّك على ذلك أن السؤال في قوله: ما الذي جئتمُ به؟ عن الماهية لا عن العلة، فيكون المعنى: تستطيعون صرفهم عن الإلحاح في البحث بأن تعلّلوهم بهذا القول، وهو أن هذا من ماء زمزم جئناه به ليستشفي به، وأنتم قد كنتم في الحجاز، فما أسهل هذا القول عليكم! وما أسهل أن يصدّقوه ويلهُوا به!
* * *
البديل الصحيح:
والصواب أن يقال إذا أُريدَ: ذَكَرَ العلة: اعتلّ، وفي المعجمات: اعتلّ عليه بعلة: اعتاقه عن أمر، والمعنى: ذكر له علة عاقه بها عما يريد. وفيها: اعتلّ: تمسّك بحجة. ومن شواهد ذلك:
1 - المثل: يعتلّ بالإعسار وكان في اليَسَار مانعًا.
2 - وما أنشده أبو زيد في نوادره (ص 248):
إن تبخلي - ياجُمْلُ - أو تَعْتَلِّي
أو تصبحي في الظاعن الموَلِّي
نُسَلِّ وجد الهائم الْمُغْتَلِّ
ببازل وَجْناء أو عَيْهَلِّ
(الْمُغْتَلّ: الذي اغتلّ جوفُه من الشوق والحب والحزن كغُلّة العطش، والبازل: الداخل في السنة التاسعة من الإبل ذكرًا كان أو أنثى، والوجناء: الممتلئة باللحم أو الشديدة، والعيهلُ: الطويلة أو السريعة، وتشديد اللام ضرورة).
3 - وحديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرجل: ما حبسك عن الصلاة؟ فذكر شيئًا اعتلّ به " (مسند الإمام أحمد 3/ 85).
4 - وحديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -قال للرجل الذي اشتدّ على جابر في تقاضي دينه: " أيْسِرْ جابرَ بن عبد الله (أي: أَنْظِرْه إلى ميسرة)، فقال: ما أنا بفاعل، واعتلّ، وقال: إنما هو مال يتامى " (مسند الإمام أحمد 3/ 398، وسنن الدارمي، حديث 45).
5 - وحديث النعمان بن مُقَرِّن - رضي الله عنه - قال: " قدم رجال من مُزَيْنة، فاعتلّوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم لا أموال لهم يتصدقون منها " (الإصابة 6/ 449، وقال: أخرجه ابن شاهين).
6 - وقال الفرزدق:
له راحةٌ بيضاءُ يَنْدَى بَنانُها قليلٌ إذا اعتلّ البخيلُ اعتلالُها
نسب الاعتلال إلى اليد، والمراد صاحبها، وهو الممدوح.
7 - وقال كُثَيِّر:
إذا ذرفتْ عيناي أعتلّ بالقذى وعزّةُ - لو يدري الطبيب - قذاهما
وأنتِ التي حبّبْتِ شَغْبًا إلى بَدَا إليّ، وأوطاني بلادٌ سواهما
حلَلْتِ بهذا حَلّةً، ثم حَلّةً بهذا، فطاب الواديان كلاهما
(شَغْب وبَدَا: موضعان).
8 - وقال أبو قيس بن الأسْلَت:
وتُكرِمُها جاراتها فيزرْنَها وتعتلّ عن إتيانهن فتُعْذَرُ
والله أعلم
نشر في: مجلة الثقافة العربية - بنغازي 9/ 2003
مجلة جذور جدة - 3/ 2004
¥