الجزء من كلامِ سيبويه قد يوصِلك إلى معرفةِ ما ينشأ عنه، كاختلافِ الشُرَّاح، وغيرِه. وهذا كحذفِ عاملِ الجملةِ التي تأتي تمثيلاً لجملةٍ تامَّة قبلَها. وانظر فضلاً هذا الرابطَ:
http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?t=1056
فهذا هو حدُّ الحذفِ القياسيِّ في ما دلّ عليه المقالُ؛ فمتَى وُجِد شرطاه، جازَ.
والله تعالى أعلمُ.
ـ[البسام]ــــــــ[03 - Jul-2009, مساء 10:38]ـ
قد تدخل إلى العربية بعض الأساليب الأعجمية في التعبير؛ فلا يكون ذلك سببًا في الحُكم عليها بالخطأ، حتى تخالفَ قياسَ العربيَّة.
ولا أجِد هذا الاستعمالَ مخالفًا القياسَ؛ بل هو موافِقٌ له. وذلك على أن تكونَ (ممَّا) في موضع الخبرِ، والمبتدأ محذوفٌ لأنه في تأويلِ (هذا)، أو (هو) التي تعودُ إلى المسنَد قبلَه. وإذا كان المبتدأ كذلك، جازَ حذفُه، لثبوتِ ما يدلّ عليه؛ فاستغنوا عنه لذلك؛ فقولك: (وهذا الجزء من كلام سيبويه مقتضب؛ (مما) جعل الشراح يختلفون فيه كثيرا) في تقدير: (وهذا الجزء من كلام سيبويه مقتضب. وهذا الاقتضاب مما جعل الشراح يختلفون فيه كثيرا)، و (ما) موصولة، والجار والمجرور متعلقان بالخبر المحذوف. وينبغي أن توضَع نقطةٌ بعد قولك: (مقتضب) لأن الجملة تمَّت بها، وابتُدئت جملةٌ أخرَى.
والحذفُ كثيرٌ جدًّا في كلامِ العرب؛ ولكنَّ له قياساتٍ مطَّردةً تضبطه، وتحدّه. وليس كلُّ ما فُهِمَ المعنَى بدونِه جازَ حذفُه؛ فمن المواضع التي قاست العربُ الحذفَ فيها ما دلَّ عليهِ المقال، وما دلت عليه الحال. والحذفُ في (مما) من دلالة المقال. ولكن ينبغي أن يكونَ معلومًا أن هذه الدلالة تقتضي أمرينِ:
الأول: وجود ما أغنَى عن المحذوفِ بلفظِه، أو معناها سابِقًا لموضعِ الحذف.
الثاني: وجودُ قرينةٍ دالَّةٍ ظنيًّا على أن هذا المتقدِّمَ للمحذوفِ هو الذي أغنَى عن المحذوفِ.
مثالُ ذلك:
1 - حذفُهم المسنَد، أو المسنَد إليه في جوابِ السؤالِ، كقولِك جوابًا لمن سألك: من ربك؟ (الله)؛ فالأمر الأول؛ وهو وجود ما أغنَى عن المحذوفِ ثابتٌ؛ هو (ربك) في جملة السؤال. والأمر الآخَر؛ وهو القرينةُ الدالَّة على أن هذا المتقدِّم هو الذي أغنَى عن المحذوفِ، ثابتٌ أيضًا، لأن السؤالَ يُطلبُ فيهِ معرفةُ شيء مجهول بشيءٍ معلومٍ؛ فذِكرُه المجهولَ في الجوابِ يدُلُّ على أن المحذوفَ هو المعلومُ الواردُ في السؤالِ.
2 - حذفُهم العاملَ في الجملةِ التوكيديَّة التي تأتي بعدَ تمامِ جملةٍ قبلَها سواءٌ كان العاملُ فِعلاً أم اسمًا؛ فالفعلُ نحو قوله تعالى: ((ويومئذٍ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصرُ من يشاءُ وهو العزيز الرحيمِ * وعدَ الله لا يخلف الله وعدَه)). والاسم نحو قراءةِ: ((فريضةٌ من الله)). فأما الأمر الأول مما تقضيه الدلالة، فثابتٌ بمعناه؛ وهو الجملةُ كلّها، لأن قولَه: ((ويومئذ يفرح المؤمنون)) وعدٌ؛ فكأنه ذكرَه بلفظِه، وقولَه: ((إنما الصدقات للفقراء ... )) فريضةٌ؛ فكأنَّه ذكرَ المبتدأ (هذا) بلفظِه؛ فاستغنى عنه لأنَّه بمعنَى ما قبلَه؛ ألا ترَى أن (هذا) هو نفسُه الكلامُ السابقُ كلُّه. وأما الأمر الثاني؛ وهو الذي دلَّ المخاطبَ على أن هذا الكلام السابقَ هو الذي أغنَى عن المحذوف، لأنه بمعناه، فثابتٌ أيضًا؛ فإنَّ ((وعدَ الله))، و ((فريضة)) تأكيدٌ للكلامِ قبلَها؛ فإذا ذُكِرت، أدركَ المخاطبُ تعلُّقَها بهِ. ومن هذا الضربِ المثالُ المشكِلُ الذي أوردَه السائلُ؛ ذلكَ أنَّ المحذوفَ موجودٌ في الكلامِ السابقِ بلفظِه؛ فتحقَّقَ فيه الأمرُ الأولُ. وأما الأمر الثاني، فإنَّ قولَك: ( ... مما جعلَ الشراحَ) متعلِّقٌ بالكلامِ قبلَه، لأنَّه ذِكرٌ للازمٍ من لوازمِه، وليس كلامًا مستأنفًا؛ ذلك أنَّ معرفةَ اقتضاب هذا الجزء من كلامِ سيبويه قد يوصِلك إلى معرفةِ ما ينشأ عنه، كاختلافِ الشُرَّاح، وغيرِه. وهذا كحذفِ عاملِ الجملةِ التي تأتي تمثيلاً لجملةٍ تامَّة قبلَها. وانظر فضلاً هذا الرابطَ:
http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?t=1056
فهذا هو حدُّ الحذفِ القياسيِّ في ما دلّ عليه المقالُ؛ فمتَى وُجِد شرطاه، جازَ.
والله تعالى أعلمُ.
شكرا جزيلا، ولكن هذا التحليل يقتضي أن تكون (من) تبعيضيه دائما في هذ االتركيب، فكيف يكون الأمر إذا كان ما قبلها هو السبب الوحيد
ـ[خزانة الأدب]ــــــــ[04 - Jul-2009, صباحاً 12:56]ـ
السلام عليكم
لا يظهر التعلل بأعجمية الأسلوب دقيقا تماما، فقد جرى على ألسنة العلماء نظائره، يقول أبو حيان في البحر المحيط: (وينبغي أن ينظر من الضيف هل يأكل أو لا ويكون بتلفت ومسارعة، لا بتحديد النظر، لأن ذلك مما يجعل الضيف مقصرا في الأكل.) 6/ 180
وهذا مما يجعلني أرى أن نسبة هذه الأساليب إلى العجمة ليس دقيقا.
لا تتسرَّع في الاعتراض بارك الله فيك!
قوله (مما يجعل النظر ... ) لا إشكال فيه!
من: حرف جر بمعنى التبعيض، وما مصدرية، أي من الأشياء التي تجعل
وهو كقوله تعالى (مما جعلكم مستخلفين فيه)
ومثله قولك (وهذا مما يجعلني)
وهذا لا علاقة له بما نحن بصدده!
لأن قولنا (هطل المطر طيلة النهار) هو جملة تامة، وليس كذلك قول ابن حيان (لأن ذلك) ولا قولك (وهذا)، فكلاهما ينتظر خبر الجملة!
وقولنا (الناس يجمعون الظهر والعصر) هو إخبار عن واقعة أخرى وقعت في نفس اليوم
وقد استعملنا (مما) للربط بين الجملتين، وهذا الاستعمال لا أصل له ولا شاهد في العربية.
نعم، يستقيم القياس لو حذف ابن حيان قوله (لأن ذلك)!
والإشكال الآخر أن قولنا (مما جعل الناس يجمعون) لا يقصد منه التبعيض، أي إننا لا نقصد أن هذا هو أحد أسباب الجمع، بل نقصد أن هذا هو سبب الجمع!
¥