(هو تعقيب الكلام برفع ما توهِّم ثبوته) (43)، ويقول الإسفراييني: (لأنَّها إنَّما يؤتىبها إذا توهِّم خلاف مضمون جملتها من سابقها؛ فإن قلت: زيد قائم، وتوهِّم منه أنَّ "عمرا " أيضا قائم تستدرك ذلك، فتقول: لكنَّ عمراً لم يقم) (44)، ولاشكّ أنَّ هذا المعنى لم تكن لتؤديه " إنَّ" لو لم تركَّب.
الحرف الخامس: حرف الجزم (لمَّا)
وهو مركَّبٌ من (لم) الجازمة و (ما) الزائدة (45)، وإنَّما تركَّبتا لتؤديا معاً معانيَ لا تؤدِّيها (لم) وهي مفردة بسيطة؛ وذلك لأنَّ (لم) وإن كانت تجزم الفعل المضارع وتقلب زمنه إلى الماضي وتنفي حدوثه (46) مثل (لمَّا)، إلَّا إنَّ النفي بها يختلف (47) عن النفي ب (لمَّا)، ويوضح ابن يعيش الفرق بين نفي الاثنين فيقول: ("لما " نفيا لقولهم: قد فعل، وذلك أنَّك تقول "قام " فيصلح ذلك لجميع ما تقدمك من الأزمنة، ونفيه " لم يقم "، فإذا قلت " قد قام " فيكون ذلك إثباتا لقيامه في أقرب الأزمنة الماضية إلى زمن الوجود، ولذلك صلُح أن يكون حالا … ونفيُ ذلك "لمَّا يقم " زدت على النافي وهو "لم" "ما" كما زدت في الواجب حرفا وهو "قد" لأنَّهما للحال) (48)، ولمَّا ناظرتْ (لم-ا) (قد) أُعطيت ما أعطيته (قد) من جواز حذف الفعل بعدها إذا دلَّ عليه دليل، يقول المالقي (49): (يجوز الوقف عليها، فتقول: شارف زيدٌ المدينةَ ولمَّا، وتريد: يدخلها، فحذفتَ الفعل للدلالة عليه، وكأنَّ " ما " عوضٌ منه، وذلك لمناظرتها ل "قد" إذ يجوز الوقف عليها دون الفعل، نحو قوله: … لما تزُلْ برحالنا وكأنْ قَدِ، أي: زالت) (50) وهذا لا يجوز في (لم) إلاَّ في الضرورة (51)، ويعلِّل الفارسي (52) استحسان ذلك مع (لمَّا) دون (لم) بقوله: (وإنَّما حسُن أن تحذف الفعل بعد " لمَّا " ولم يحسن ذلك في "لم"؛ لأنَّهم لمَّا استعملوها " ظرفا " في قولهم: لمَّا جئتَ جئتُ، وقعت موقع الأسماء فأشبهتها، فلما أشبهتها حسُن أن لا يقع الفعل بعدها، ولم يحسن ذلك في " لم " وأخواتها لأنَّها لم تقع في مواقع الأسماء فلم تشبهها) (53)، وهو بهذا يشير إلى التغيير الآخر الذي أحدثه التركيب في (لمَّا) وهو انتقالها من "الحرفية " إلى " الاسمية "؛ حيث عدَّها ظرفا بمعنى "حين " (54) وبهذا التغيير حصل لها تغيرٌ (في اللفظ والمعنى؛ فأمَّا التغيير في المعنى فكانت نافية فصارت موجبة، وأمَّا التغيير في اللفظ فكانت تدخل على المضارع فصارت تدخل على الماضي) (55) بل وأصبحت متضمِّنة معنى الشرط ولذا اقتضت جوابا، نحو: لمَّا جئتني أكرمتك، قال الله تعالى:
{إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ} (يونس 98)
وتفارق (لما) (لم) في شيءٍ آخر، وهو أنَّها تأتي بمعنى (إلاَّ) وتقع موقعها، كما في قولهم: نشدتك الله لما فعلت، أي: إلَّا فعلت (56)، وكقوله تعالى:
{إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} (الطارق 14)
وعندها تدخل على الجملة الاسمية وعلى الفعل الماضي لفظا لا معنى، وهذا كلُّه من أثر التركيب.
الحرف السادس: حرف النصب (لن)
والذي قال بتركيبه الخليل (57) رحمه الله فقد كان يرى أنَّه مركَّب من (لا) النافية و (أن) الناصبة للفعل المستقبل؛ وذلك لأنَّه رآه ينفي كنفي (لا) وينصب الفعلَ المستقبل كنصب (أنْ) له، ثم خُفِّفت الهمزة بالحذف فصار (لانْ) فحُذفت الألف لالتقاء الساكنين (58)، أي قد صُنِع به ما صنعه القاريء (59) عندما قرأ قولَ الله عز وجل:
{فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} (البقرة 203)
حيث قرأها: {فَلَثْمَ عليه} (60)، بحذف همزة (إثم) وألف (لا).
أمَّا سيبويه (61) فقد ردَّ رأي الخليل هذا؛ لأنَّه قد لاحظ أنَّ معمول الفعل بعد (لن) قد يتقدم عليها في نحو: زيداً لن أضرب، وقال: (ولو كانت على ما يقول الخليل لما قلت: أمَّا زيداً فلن أضرب؛ لأنَّ هذا اسم والفعل صلة) (62) يريد أنَّه لو كانت (لن) مركَّبة من (أنْ) و (لا) لكان الفعل بعدها صلة الموصول الحرفي (63) (أنْ)، ولمَّا جاز أن يتقدم معموله عليه؛ لأنَّ (أنْ لا يتقدم عليها ما في حيِّزها) (64) فلما جاز ذلك انتقض كون (لن) مركَّبة.
¥