وذلك أن قولكم إن الشيخ جعل الأصل في صيغة (افعل) إرادة الوجوب، هذا القول لا نعرف للشيخ فيه كلاما محكما. . ولعلكم تدلوننا على موضعه. أقول: المعروف من الشيخ هو قوله رحمه الله: (وَأَمْرُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إذَا أُطْلِقَ كَانَ مُقْتَضَاهُ الْوُجُوبَ. وَأَمَرَهُ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ بِالطُّمَأْنِينَةِ كَمَا أَمَرَهُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَأَمْرُهُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْإِيجَابِ.) وهذا كلام صحيح لا شيء فيه. أفلم يقل الرب جل وعلا: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا)؟ فظاهر الأمر عند الإطلاق من قيد التخيير هو الحثم والإيجاب مع تحريم عصيانه. هذا هو الظاهر من أمر الله ورسوله لا ننتقل عنه إلا ببينة، كما قال ابن القيم في الإعلام: (الواجب حمل كلام الله تعالى ورسوله وحمل كلام المكلف على ظاهره الذي هو ظاهره، وهو الذي يقصد من اللفظ عند التخاطب، ولا يتم التفهيم والفهم إلا بذلك). فحيث أطلق الأمر دل على أن ليس للمؤمن فيه اختيار غير الطاعة - وليس للوجوب معنى غير هذا. فأين موضع الخلل فيه؟ وأين مخالفته لأصل الشيخ؟؟!
وأما ما نسبتم إلى ابن القيم في اقتضاءه التكرار، فإن قصدتم ما ذكره في (جلاء الأفهام)، فأولا هذه فيه حكاية وليس من تأسيس ابن القيم نفسه ولم يصرح فيه بالموافقة بل سكت عنه وعن غيره. وثالثا أنه فيه قد ذكر أدلتة القائلين بهذا الأصل وحجتهم بما يغنى عن هذه المطالبة منكم بالتدليل. قال رحمه الله فيه: (ورجحت هذه الطائفة التكرار بأن عامة أوامر الشرع على التكرار ... وذلك في القرآن أكثر من أن يحصر، وإذا كانت أوامر الله ورسوله على التكرار حيث وردت إلا في النادر، علم أن هذا عرف خطاب الله ورسوله للأمة، والأمر وإن لم يكن في لفظه المجرد ما يؤذن بتكرار ولا فور، فلا ريب أنه في عرف خطاب الشارع للتكرار، فلا يحمل كلامه إلا على عرفه والمألوف من خطابه. وإن لم يكن ذلك مفهوماً من أصل الوضع في اللغة .. فإن هذا لغة صاحب الشرع وعرفه في مصادر كلامه وموارده، وهذا معلوم بالاضطرار من دينه قبل أن يعلم صحة القياس واعتباره وشروطه، وهكذا فالفرق بين اقتضاء اللفظ وعدم اقتضائه لغة، وبين اقتضائه في عرف الشارع وعادة خطابه).
ورابعا: أنه من الواضح من هذا السياق أنهم ما جعلوا هذه القاعدة كلية لا انخرام فيها، ولم يجعلوها كذلك أصلا معروفا من مجرد اللغة ولا مجرد الصيغة كما ادُّعي. بل جعلوها غالبة لغلبة وقوعها في خطابات الشرع بعد الاستقراء لا بمجرد الصيغة. وبما أن هذا الأصل أصل غالب لا عام كلي، فالحكم به حكم بالغالب ينبغي استصحابه في ابتداء النظر كي يبحث بعد ذلك عما يصرف عنه ثم يرجح ويتمسك به عند الاشتباه.
ولكم بعد هذا، شيخنا الفاضل، أن تبدي ممانعة أو معارضة أو مناقضة، فليس غرضنا بهذا الحوار إلا ابتغاء الحق بكلا معنييه. بارك الله فيكم ونفع بكم.
ـ[أبو فهر السلفي]ــــــــ[07 - صلى الله عليه وسلمpr-2010, مساء 05:22]ـ
بارك الله فيك ..
1 - كلام الشيخ عن الأمر هو عينه الكلام عن صيغة افعل وليس مراده الأمر الذي هو (أ، م،ر) وقد رجح الشيخ تعين الصيغة للأمر وبالتالي للوجوب عند الإطلاق؛ولذا علق على رواية لأحمد بقوله: ((هذه الرواية نص في أن ظاهر افعل هو الأمر)) ..
وهذا مخالف لأصوله؛فهو عين قولهم: حقيقة في الأمر مجاز في غيره ..
وما دامت الكلمة تستعمل في أكثر من معنى لم يجز على أصول الشيخ أن يجعل لها أصل متعين عند الإطلاق بل يكون كل سياق بحسبه، وعندي أن مبنى هذه المخالفة لأصله عنده على ما ظنه من أن هذا هو معهود الشرع عند الإطلاق. وأن هذا بمنزلة القرينة،فما يجعله المجازيون أصلاً لغوياً ثبت بأصل الوضع يجعله هو أصلاً بطريق قرينة معهود الشرع .. وهذا وإن كان مرجوحاً عندي إلا أنه لا يحتج به على أن الشيخ وافق المجازيين أو إن الخلاف بينهم لفظي كما أراد أبو مالك أن يصنع ..
2 - ونفسه استدلال ابن القيم-وهو قوله وإن نسبه لقوم على عادته - وهو واضح من قوله: ((والأمر وإن لم يكن في لفظه المجرد ما يؤذن بتكرار ولا فور، فلا ريب أنه في عرف خطاب الشارع للتكرار، فلا يحمل كلامه إلا على عرفه والمألوف من خطابه)).
وأما قولك:
بل جعلوها غالبة لغلبة وقوعها في خطابات الشرع بعد الاستقراء لا بمجرد الصيغة
فهو عجيب!!
فمن تكلم عن مجرد الصيغة؟؟!!
الكلام من أوله عن: هل هم جعلوا المعهود قرينة ربما استدلوا بها وحدها؟
عندي: نعم. بدليل ما ذكر ..
فهل تعرف دليلاً على إن افعل للوجوب عند الإطلاق وأن الأمر للتكرار عند الإطلاق غير معهود الشرع الذي ذكره ابن القيم؟
¥