فَإِذَا قَالَ: أَلْفٌ زَائِفَةٌ أَوْ نَاقِصَةٌ؛ وَإِلَّا خَمْسِينَ: كَانَ وَصْلُهُ لِذَلِكَ بِالصِّفَةِ وَالِاسْتِثْنَاءِ دَلِيلًا نَاقَضَ الدَّلِيلَ الْأَوَّلَ. وَهُنَا أَلْفٌ مُتَّصِلَةٌ بِلَفْظِ: وَهُنَاكَ أَلْفٌ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ الصِّلَةِ وَالِانْقِطَاعُ فِيهَا غَيْرُ الدَّلَالَةِ فَلَيْسَتْ الدَّلَالَةُ هِيَ نَفْسَ اللَّفْظِ بَلْ اللَّفْظُ مَعَ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ. وَسَوَاءٌ قِيلَ: إنَّ تَرْكَ الزِّيَادَةِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ أَوْ قِيلَ: إنَّهُ عَدَمِيٌّ فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَقُولُونَ: التَّرْكُ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ يَقُومُ بِذَاتِ التَّارِكِ وَذَهَبَ أَبُو هَاشِمٍ وَطَائِفَةٌ إلَى أَنَّهُ عَدَمِيٌّ وَيُسَمَّوْنَ الذِّمِّيَّةَ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: الْعَبْدُ يُذَمُّ عَلَى مَا لَمْ يَفْعَلْهُ. وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَهُوَ يَقْصِدُ الدَّلَالَةَ بِاللَّفْظِ وَحْدَهُ لَا بِاللَّفْظِ مَعَ الْمَعْنَى وَكَوْنُهُ وَحْدَهُ قَيْدٌ فِي الدَّلَالَةِ وَهَذَا الْقَيْدُ مُنْتَفٍ إذَا كَانَ مَعَهُ لَفْظٌ آخَرُ)).

والتعليق على هذا النص في النقاط التالية:

1 - شيخ الإسلام –رحمه الله- ينفي في هذا النص وفي غيره أن يوجد لفظ تجرد عن القرائن، وإنما مراده هنا وفي غيره التجرد عن قيود مخصوصة كما هو نص عبارته وليس مطلق التجرد عن القيود فإن هذا عنده لا يوجد في كلام أريد به الإفهام قط، فلا يريد الشيخ بالتجرد عن القرائن ما يُفهم من إطلاقات المجازيين.

فإن قيل: كذا المجازيون إنما يعنون بالتجرد عن القرائن أي اللفظية، قلنا: هم مضطربون في هذا وكثير من عباراتهم تخلط بين التجردين، ومع ذلك فهذا –أي إثباتهم للفظ دلالة بمجرد التجرد عن القرائن اللفظية في كلام كل متكلم وأن هذه الدلالة هي الوضع الأول-عبث محض لا فائدة منه لأن القرائن المعنوية تختلط في ذهن المتكلم عند تلقيه اللفظ فتكون هي أحد الوسائل المعينة للمعنى لا مجرد التجرد عن القرينة اللفظية،وإذا لم توجد القرائن المعنوية فهذا يعني أن اللفظة في الهواء فبأي سلطان عينوا أن المتكلم بها أراد هذه الدلالة التي زعموها.

وإذاً: فمراد الشيخ هنا-بقرينة نفيه المطلق للفظ يتجرد عن جميع القرائن-أنه يكون للفظ المتجرد عن قرائن مخصوصة = دلالة تُعلم بقرائن أخرى.

أما أن يُحمل كلام الشيخ على أنه يُثبت للفظ دلالة حال تجرده عن مطلق القرائن فهذا خلل في منهج تفسير الكلام.

2 - ما هذه القرائن الأخرى؟

إن كانت من عين ما يطلب أبي فهر = قرائن مخصوصة تخص كل نص بعينه = لم يستقم هذا مع كون الشيخ يجعل مجرد التجرد عن قرائن مخصوصة يثبت دلالة، ولما استقام هذا مع ضربه المثل بدلالة الأمر والعموم.

إذاً فالشيخ يتكلم وفق منهج آخر ويقصد طريقاً أخرى غير طريقة المجازيين وغير ما أدعو إليه من وجوب طلب القرائن المعينة للدلالة في كل نص على حدة ..

الشيخ هنا يتكلم عن أنه قد تقوم قرائن تُفيد أن هذا المتكلم المعين المعهود = عرف من سنن كلامه أنه متى نطق باللفظ ولم يُعقبه بما يُقيده = أنه يريد دلالة معينة.

فالشيخ هنا يجعل الدلالة عدمية ولكنها تحمل في طياتها قانوناً علم بالاستقراء والتتبع والعهد = مالم يُقيد فقد أراد كذا.

فالشيخ هنا لا يرجع في تعيين المعنى الذي أراده المتكلم إلى مجرد التجرد عن القرينة اللفظية وإنما إلى معهود خطابي عهد عن المتكلم المعين.

ثم هو لا يَجعل هذا المعنى هو الوضع اللغوي الأول وإنما هو بحسب المتكلم وحاله والمعهود عنه.

يقول المجازيون: إذا تجردت اللفظة عن القرائن دلت على معنى هو الحقيقة وهو الموافق للوضع اللغوي الأول. هذا قانون دلالي شامل.

يقول شيخ الإسلام: إذا تجردت اللفظة عن قرائن مخصوصة دلنا تجردها على أن دلالتها كذا.ولكن ليس هذا قانوناً دلالياً شاملاً بل لابد من تضمنه ما يُفيد أن المتكلم المعين تلك عادته = أنه إذا لم يُقيد أراد كذا. وتعلم تلك العادة الدلالية باستقراء كلامه ومعرفة معهود خطابه.

فالشيخ يُجوز الخلو عن القرينة اللفظية وبقاء قرينة معرفة عادة المتكلم في أنه إذا سكت ولم يقيد = أراد كذا.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015