وفي سنة 400 هـ يحل القحط بنيسابور، فيرحل الثعالبي إلى إسفرائين لينزل على زعيمها أبي العباس الفضل بن علي الإسفرائيني، وينعم بكرمه، ويلتقي بأعيان الأدباء في قصره، ومن إسفرائين كانت سفرته الثانية إلى جرجان حيث قدم للأمير قابوس بن وشمكير كتابه (التمثيل والمحاضرة)، وأعاد كتابة يتيمة الدهر بعد تنقيحها والإضافة إليها، ثم رحل إلى الجرجانية، حيث نزل على الأمير مأمون بن مأمون خوارزمشاه والتقى في بلاطه بأجلّ علماء العصر كأبي علي بن سينا، وأبي الريحان البيروني، وعكف الثعالبي على تأليف كتبه (الملوكي) و (المشرق) و (الظرائف واللطائف) و (نثر النظم) وأعاد كتابة (الكناية والتعريض) باسم جديد هو (النهاية في الكناية) وأهدى هذه الكتب كلها للأمير خوارزمشاه، ثم ألف (تحفة الوزراء) و (أحسن ما سمعت) وأهداهما إلى وزيره أبي عبد الله محمد بن حامد الحمدوني، ثم شدّ الرحال إلى غزنة قبل سنة سبع وأربعمائة.
وفي بلاط الأمير محمود بن سبكتكين حيث اجتمع علماء العصر كالبيروني الذي استدعاه السلطان من الجرجانية، والفردوسي، يمدح الثعالبي السلطان ببعض شعره، ويهدي إليه كتابه (لطائف المعارف)، ولكنه لا يجد لديه ما يشجعه على الاستمرار، فيعود إلى أخيه أبي المظفر الذي كان في غزنة آنذاك، فيكتب له كتابه (يواقيت المواقيت) ثم يشفعه بكتاب ضخم يسميه (غرر أخبار ملوك الفرس وسيرهم)، ثم يلتقي بأعيان غزنة، كالعميد أبي منصور بن مشكان، والشيخ أبي الحسن بن محمد بن عيسى الكرجي الذي أهداه كتابه (تحسين القبيح وتقبيح الحسن)، والقاضي أبي الحسن المؤمل خليل بن أحمد.
ويقضي الثعالبي ما يقرب من خمس سنوات في غزنة، فلا يشد الرحال إلا بعد وفاة الأمير أبي المظفر، وفي طريقه إلى نيسابور يمر بهراة ليؤلف للقاضي أبي أحمد منصور بن محمد الهروي الأزدي كتابيه (اللطيف في الطيب) و (الإيجاز والإعجاز).
وفي نيسابور يلقي الثعالبي عصا الترحال بعد تنقل دام أربعين عاماً، وينصرف بعد أن يستقر أمره في نيسابور إلى التأليف، فيكتب لصديقه القديم أبي الفضل الميكالي كتابه (ثمار القلوب في المضاف والمنسوب) ثم كتابه (فقه اللغة وسر العربية).
ويتولى سهل الحمدوني خراسان من قبل السلطان مسعود بن السلطان محمود الغزنوي سنة 422 هـ، وقد كان الثعالبي أهدى له النسخة الأولى من كتابه (سحر البلاغة)، فكانت ولايته على خراسان سبيلاً لتجديد العهد حيث ألف له كتابه (برد الأكباد في الأعداد) وكتابه (مرآة المروءات).
وفي سنة 424 هـ يرد السلطان مسعود الغزنوي خراسان قاصداً بغداد، فيقيم مدة في نيسابور مع وجوه دولته، فيعيد الثعالبي صلاته القديمة بهم، لا سيما الشيخ العارضي أبي الحسن مسافر بن الحسن، الذي يؤلف له كتابه (خاص الخاص)، وأبي الفتح الحسن بن إبراهيم الصيمري الذي يختصر له كتابه (فقه اللغة) في كراس يسميه (خصائص اللغة)، والشيخ أبي الحسن محمد بن عيسى الكرجي الذي يهدي له مسودة كتابه (تتمة اليتيمة) وقد أعجله السفر.
ويرحل السلطان مسعود مع حاشيته، فيعكف الثعالبي على تنقيح (تتمة اليتيمة)، ويستغرق هذا العمل السنوات التي بقيت من عمره، وتكون وفاته سنة 429 هـ.
...
ويتفاوت المحدثون في القوائم التي قدموها بأسماء كتب الثعالبي لا سيما محققو كتبه، فقد قدم محقق (التمثيل والمحاضرة) قائمة بأسماء أربعة وأربعين كتاباً، وقدم محققا (لطائف المعارف) قائمة بأسماء ستة وثمانين كتاباً، وقدم محققا (تحفة الوزراء) قائمة بأسماء تسعة وعشرين كتاباً مطبوعاً واثنين وسبعين كتاباً مخطوطاً ومفقوداً معتمدين على قائمتي التمثيل والمحاضرة ولطائف المعارف، وكنت قد تصديت لدراسة مفصلة عن الثعالبي، فتابعت المخطوط والمطبوع والمفقود، ودرست مناهج المطبوع والمخطوط، ثم صححت أوهاماً في نسبة بعض الكتب إليه فبلغ مجموعة ما ذكرته في قائمتي مائة وستة كتب، وعلى الرغم من ذلك كله فإنني أظنّ أن مكتبة الثعالبي بحاجة إلى دراسة متجددة في ضوء ما تكشف عنه الأيام مما ضاع من تراثنا القديم.)).
مقدمة اللطف واللطائف: ص 5 - 9. تحقيق: د. محمود عبد الله الجادر. دار الشؤون الثقافية العامة. بغداد. الطبعة الثانية / 2002م.
¥