للمدارسة: أصناف الدلالات عند الجاحظ

ـ[أبوهلا]ــــــــ[26 - Nov-2008, صباحاً 09:28]ـ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أيها الإخوة رواد المجلس اللغوي هذه مسألة عرضت لنا في القسم الشرعي عند الحديث عن (الاستدلال بالدليل العقلي على مسائل الاعتقاد)، فأحببت أن أفرد لها صفحة لديكم لنستفيد منكم، ومن تحليلاتكم الدقيقة لهذا النص الذي أعتقد أنه يحمل علوما لم تفتح أبوابها بعد:

قال الجاحظ في البيان والتبيين:

وجميع أصناف الدلالات على المعاني من: لفظ، وغير لفظ، خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد:

أولها اللفظ:

ثم الإشارة:

ثم العقد:

ثم الخط:

ثم الحال التي تسمى (نصبة)، والنصبة هي الحال الدالة التي تقوم مقام تلك الأصناف ولا تقصر عن تلك الدلالات.

ولكل واحد من هذه الخمسة صورة بائنة من صورة صاحبتها، وحلية مخالفة لحلية أختها، وهي التي تكشف لك عن أعيان المعاني في الجملة، ثم عن حقائقها في التفسير، وعن أجناسها وأقدارها، وعن خاصها وعامها، وعن طبقاتها في السار والضار وعما يكون منها لغوا بهرجا وساقطا مطرحا.

لم ينته كلامه بعد

ـ[أبوهلا]ــــــــ[26 - Nov-2008, صباحاً 09:31]ـ

وقال عن الإشارة:

فأما الإشارة فباليد وبالرأس وبالعين والحاجب والمنكب إذا تباعد الشخصان وبالثوب وبالسيف. وقد يتهدد رافع السيف والسوط، فيكون ذلك زاجرا ومانعاً رادعا ويكون وعيدا وتحذيرا.

والإشارة واللفظ شريكان، ونعم العون هي له، ونعم الترجمان هي عنه. وما أكثر ما تنوب عن اللفظ، وما تغني عن الخط.

وبعد فهل تعدو الإشارة أن تكون ذات صورة معروفة، وحلية موصوفة، على اختلاف في طبقاتها ودلالتها.

وفي الإشارة بالطرف والحاجب وغير ذلك من الجوارح مرفق كبير، ومعونة حاضرة، في أمور يسترها بعض الناس من بعض، ويخفونها من الجليس وغير الجليس.

ولولا الإشارة لم يتفاهم الناس معنى خاص الخاص، ولجهلوا هذا الباب البتة. ولولا أن تفسير هذه الكلمة يدخل في باب صناعة الكلام لفسرتها لكم.

وقد قال الشاعر في دلالات الإشارة:

أشارت بطرف العين خيفة أهلها ..... إشارة مذعور ولم تتكلم

فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا ..... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيم

وقال الآخر:

وللقلب على القلب ..... دليل حين يلقاه

وفي الناس من الناس ..... مقاييس وأشباه

وفي العين غنى للمر ..... ء أن تنطق أفواه

وقال الآخر:

ومعشر صيد ذوي تجلة ..... ترى عليهم للندى أدلة

وقال الآخر:

ترى عينها عيني فتعرف وحيها ..... وتعرف عيني ما به الوحي يرجع

وقال آخر:

وعين الفتى تبدي الذي في ضميره ..... وتعرف بالنجوى الحديث المعمسا

وقال الآخر:

العين تبدي الذي في نفس صاحبها ..... من المحبة أو بغض إذا كانا

والعين تنطق والأفواه صامته ..... حتى ترى من ضمير القلب تبيانا

هذا ومبلغ الإشارة أبعد من مبلغ الصوت، فهذا أيضا باب تتقدم فيه الإشارة الصوت.

والصوت هو آلة اللفظ، والجوهر الذي يقوم به التقطيع، وبه يوجد التأليف. ولن تكون حركات اللسان لفظا ولا كلاما موزونا ولا منثورا إلا بظهور الصوت، ولا تكون الحروف كلاما إلا بالتقطيع والتأليف. وحسن الإشارة باليد والرأس من تمام حسن البيان باللسان، مع الذي يكون مع الإشارة من الدل والشكل والتقتل والتثني واستدعاء الشهوة وغير ذلك من الأمور.

لم ينته كلامه بعد

ـ[أبوهلا]ــــــــ[26 - Nov-2008, صباحاً 09:33]ـ

وقال عن الخط:

فأما الخط فما ذكر الله عز وجل في كتابه من فضيلة الخط، والإنعام بمنافع الكتاب، قوله لنبيه عليه السلام (اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم). وأقسم به في كتابه المنزل على نبيه المرسل حيث قال: (ن والقلم وما يسطرون).

ولذلك قالوا: القلم أحد اللسانين. كما قالوا: قلة العيال أحد اليسارين.

وقالوا القلم أبقى أثرا واللسان أكثر هذرا.

وقال عبد الرحمن بن كيسان: استعمال القلم أجدر أن يحض الذهن على تصحيح الكتاب، من استعمال اللسان على تصحيح الكلام.

وقالوا: اللسان مقصور على القريب الحاضر، والقلم مطلق في الشاهد والغائب، وهو للغابر الحائن، مثله للقائم الراهن.

والكتاب يقرأ بكل مكان، ويدرس في كل زمان، واللسان لا يعدو سامعه، ولا يتجاوزه إلى غيره.

لم ينته كلامه بعد

ـ[أبوهلا]ــــــــ[26 - Nov-2008, صباحاً 09:34]ـ

وقال عن العقد:

وأما القول في العقد وهو: الحساب دون اللفظ والخط، فالدليل على فضيلته وعظم قدر الانتفاع به قول الله عز وجل (فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم)، وقال جل وتقدس (الرحمن. علم القرآن. خلق الإنسان. علمه البيان. الشمس والقمر بحسبان) وقال جل وعز (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق) وقال (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب).

والحساب يشتمل على معان كثيرة ومنافع جليلة ولولا معرفة العباد بمعنى الحساب في الدنيا لما فهموا عن الله عز وجل ذكره معنى الحساب في الآخرة.

لم ينته كلامه بعد

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015