وتؤدي الذوات المختلفة هذه الحركة كلّ بحسب طبيعتها وقدراتها وهذه الحركة مطلقة فلا يمكن أداء (سجود) بمعناه المطلق الا من المجموعة كلّها أي الموجودات بأسرها ـ فهي في حالة سجود فعلي مطلق دائماً كمجموع ويمكن للذات ـ حال كونها مختارة وحرة أن تسجد بالصورة المرضية فليس هناك حدود للحركة في التعاقبات الا حدود نفس التعاقب من حيث أن حركته الأصلية محددة بوجوده وهذا شيء عام ينطبق على كلّ تعاقب
وبدلاً من أن نجعل لكلّ (لفظ) ألفاظاً أخرى للدلالة على معناه ـ يتوجب بدلاً من ذلك دراسة حركة كلّ لفظ لمعرفة المزيد من نفس الحركة فهذا يؤدي الى معرفة صحيحة للغة والأشياء ويجنبنا العبث بالنظام اللغوي ويقضي على مشاكله جميعاً.
وبالطبع يحتاج هذا الأمر الى معرفة أولية بقيمة الأصوات ومن ثم التعاقبات وقد تمّ ذلك ـ وبموجبه يمكن تمييز النظام اللغوي المطلق من الكلام عن غيره من الكلام وقد تمّ اكتشاف أن القرآن هو كذلك فكان (المنهج اللفظي) مقدمة أوّلية في محاولة الدخول الى ذلك النظام.
5. إذن يمكن القول أن البحث اللفظي (الكلاسيكي) المتعلق باستعمال اللفظ على الجمع هل يجوز أو لا يجوز هو مبحث ساقط عن الاعتبار ومثاله قوله (يصلّون) هل المقصود مجموع صلاة هؤلاء لكلّ ذات منهم وكلّ نوع أو غير ذلك؟ فقول المجوِّزين مثلاً: أن ضمير الجمع في الفعل (يصلّون) بمنزلة الضمائر المتعددة المقتضية لأفعال متعدّدة – هو محاولة لتبرير المرادفات على المحور وهو شيء لا يمكن لهم تحقيقه. أما الذين منعوا من ذلك فليس هو بسبب (قصدية اللغة) – وإنما هو محاولة للجمع بين الاعتباط و القصدية في آنٍ واحدٍ – وهو عين ما يفعله دي سوسير في علم اللغة العام.
وبالنسبة للتنظير اللغوي في الشرق الإسلامي فهو مخالف للأسس المنطقية في خصائص الجزء والكلّ. فالكلّ هنا اعتباطي كيفما اتفق والجزء قصدي وهو مقلوب المبدأ المنطقي مرتين لا مرة واحدة.
الصورة النهائية للحل القصدي تتوضح بالرسم الآتي المختلف في الاتجاه فقط عن الرسم في كتاب اللغة الموحدة، وهو رسمٌ لوحدةٍ لغويةٍ واحدةٍ مثل (سَجَدَ) لمجرد التوضيح:
سجد سجد سجد سجد
المعنى المطلق
(سجد) ظلال ملائكة إنسان جماد
المبحث الرابع
التخصيص والإجمال
وهذا المبحث يخص اللفظ المشترك. ذكروا أن اللفظ إذا كان موضوعاً لمعنيين أو اكثر فإن اقترنت به قرينة تخصّص أحد المعاني فهو ذلك المعنى وإن لم تقترن به قرينة من هذا النوع بقي مجملاً. وهنا اكثر من أشكال:
الأوّل: أن القرينة هي لفظ أيضاً ومشكلته في العموم (الإجمال) والتخصيص هي نفس مشكلة اللفظ موضوع البحث!!.
وهذا تغافلٌ أو غفلةُ عن الأساس المنطقي للبحث. وهذا التغافل بعينه!!!!
الثاني: إن القرينة مع وضوحها الكافي لا تخرج عن المعنى الذهني أو الاصطلاحي وهي بذلك تقوم بمزيد من الإيهام حول اللفظ موضوع البحث. وستلاحظ في المواضيع اللاحقة أن (الإيهام) هدف من أهداف الاعتباطية أيضاً وليس أسلوباً في البحث فقط.
وبسبب هذين الإشكالين المنطقيين فقد تفرّع البحث اللفظي هنا الى فروع رئيسية أربعة بحيث أُدخلت المرادفات والمجاز والكناية والاستعارة وأدوات النفي وعلم المنطق كلّه للتخلص من الالتباسات الواقعةِ بين القرينةِ واللفظ بحيث يمكنك جمعَ مجلداتٍ من كلامهم في هذا المبحث.
وفي النهاية ولكلّ فرع، كان الخذلانُ واضحاً والفشل ظاهراً حينما تلاحظ عبارات من هذا النوع كما في النصوص الختامية آلاتية:
(فإن كان الراجح من تلك المجازات هو مجاز الحقيقة الراجحة ـ علماً أن الحقيقة الراجحة هنا مجازيه وتخمينية لا غير ـ تعيَّن الحملُ عليه أو مجاز الحقيقة المرجوحة فيقع التعارض بينه وبين مجاز الحقيقة الراجحة لاختصاص كلّ منهما بنوع ترجيح الى أن يظهر مرجّح آخر).
ونعلق على ذلك بالقول: من أين ومتى سيأتي المرجّح الآخر وموضوع البحث هو تركيب لغوي ـ جملة مفيدة هي بين أيدينا؟؟.
نص آخر:
(وأما إذا تساوت الحقائق فإن اختلفت مجازاتها بالقرب والبعد منها حمل اللفظ على المجاز الأقرب وإن لم تختلف في القرب والبعد بقي التعارض بينهما متساوياً لتساوي حقائقها الى أن يظهر مرجّح .. )!!
وهكذا ينتهي الحلّ الاعتباطي الى نتيجةٍ أخيرةٍ بعد البحث والعناء مفادها الانتظارُ الى حين ظهور الحلّ!!.
ومثلُ هذه النتائج متوقعةٌ بصورةٍ حتميةٍ، يحتمها الأساس المتناقض لمبدأ الحلّ والذي جعل حلّ معضلةِ تخصيص معنى اللفظ في يد لفظٍ آخرٍ ـ كان هو بدوره ينتظر من يخصِّص له معناه!! ـ. وهذا خلاف مبدأهم المنطقي القائلِ (فاقد الشيء لا يعطيه – أو المفتقر للشيء لا يعطيه). وفي الحلقة القادمة سنتناول المجاز وأصنافه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته