ـ وإذا كان الأنبا مرقس ـ المتحدث الرسمي باسم الكنيسة الأرثوذكسية .. وعضو المجمع المقدس .. ورئيس لجنة الإعلام بهذا المجمع أي "وزير إعلام الكنيسة" .. وأسقف شبرا الخيمة ـ قد أعلن:

"أن مصر هي بلد الأقباط، وهم أصحابها"!! (7) .. فإنه قد طالب بأن يكون أول شهر توت ـ عيد النيروز الفرعوني ـ إجازة رسمية للدولة المصرية، باعتباره عيد رأس السنة الفرعونية (8) ـ وهو ـ للتذكرة ـ اليوم الذي أعلن فيه عن قيام (جماعة الأمة القبطية) سنة 1952م ـ التي أعلنت أن قضية المسيحيين ـ في مصر ـ هي "قضية قومية" ـ قضية لغة .. وثقافة .. وعنصر .. وأرض مغتصبة منذ أربعة عشر قرنًا ـ!! ..

ـ وإذا كانت أدبيات الشعب المصري تتحدث عن "الشعب المصري" و"الأمة العربية" و"الحضارة الإسلامية" .. أي عن الوطنية والعروبة والإسلام باعتبارها هوية مصر والمصريين جميعًا ـ بكل دياناتهم ـ .. فإن أدبيات الكنيسة الأرثوذكسية دائمة الاستخدام لمصطلحات:

"الشعب القبطي" و"الأمة القبطية" و"شعب الكنيسة" و"الشعب المسيحي"! .. حتى لقد أعلن الأنبا توماس ـ عضو المجمع المقدس .. وأسقف القوصية ـ في محاضرته بمعهد "هديسون" الأمريكي بواشنطن ـ في 18 يوليو سنة 2008م ـ وهو المعهد التابع للمحافظين الأمريكيين الجدد، واليمين الديني ـ أعلن الأنبا توماس على العالم .. وأمام سمع الكنيسة وبصرها ـ أعلن:

ـ "أن الشخص القبطي يشعر بالإهانة إذا قلت له إنك عربي"!

ـ "وأن اللغة القبطية هي اللغة الأم لمصر"!

ـ "وأن الأقباط يعانون ويحاربون خطري التعريب والأسلمة"!

ـ "وأنهم قد وجدوا ثقافتهم تموت، ووجدوا أنفسهم مسئولين عن حمل ثقافتهم والمحاربة من أجلها حتى يأتي الوقت الذي يحدث فيه انفتاح وتعود دولتنا لجذورها القبطية .. وحتى يأتي هذا الوقت، فإن الكنيسة تقوم بدور الحاضنة للحفاظ على هذا التراث القومي المختلف"!

ـ "وأن المسلمين قد خانوا الأقباط منذ الاحتلال العربي لمصر"! (9)

وهكذا أفصح هذا الأسقف ـ في هذه المحاضرة ـ ربما أكثر من غيره ـ عن أن القضية هي قضية قومية .. وليست قضية مطالب لأقلية دينية .. فهي ـ كما جاء في المحاضرة التي صمتت عنها الكنيسة صمت الرضى ـ بل ودافع عنها رموز كبار فيها ـ هي ذات القضية التي أعلنت عنها (جماعة الأمة القبطية) سنة 1952م .. قضية: لغة .. وثقافة .. وعنصر .. ووطن محتل وأرض مغتصبة منذ أربعة عشر قرنًا!! ..

لذلك، وجب التوقف أمام أهم الدعاوى التي جاءت بهذه المحاضرة: (صيحة الأقباط ضد التعريب والأسلمة)! ..

فنحن ـ بإزاء الدعاوى التي جاءت بهذه المحاضرة ـ لسنا فقط أمام انقلاب على الانتماء للعربية ـ اللغة القومية لمصر ـ وعلى الدستور والعقد الاجتماعي والحضاري الذي توافق عليه المصريون والتزموا به منذ قرون ـ أي أمام "نزعة خوارجية" على ثوابت العقد الذي ارتضته الجماعة الوطنية المصرية .. وإنما نجد أنفسنا ـ علاوة على كل ذلك ـ أمام انقلاب على الحقائق العلمية التي تعارف عليها علماء المصريات واللغات في مصر والعالم أجمع ..

ـ فليس صحيحًا أن اللغة القبطية ـ التي جاء الفتح الإسلامي فوجدها بمصر ـ هي اللغة الأم للمصريين .. وإنما هي المسخ الهجين الذي مثل التغريب اللغوي الذي أحدثه الغزو الإغريقي في لغة المصريين .. فكانت أثرًا من آثار هذا التغريب اللغوي، ولم تكن خالصة الوطنية .. فضلاً عن أنها كانت المرحلة الرابعة من المراحل الكبرى لتطور اللغة المصرية .. ولم تكن اللغة الأم بحال من الأحوال .. ذلك أن اللغة المصرية القديمة قد مرت بمراحل أساسية أربعة، قبل مرحلة سيادة اللغة العربية في مصر .. وهذه المراحل هي:

1ـ مرحلة الهيروغليفية: وهي اللغة المقدسة، المكتوبة بالصور .. والتي تعتبر اللغة المكتوبة الأم للمصريين ـ في التاريخ المعروف ـ والتي عبروا بها عن الكلام الشفهي .. ولقد ظلت أداة الكتابة على المباني الأثرية بعد أن حلت الكتابات المختصرة محلها في الحياة العامة، بحيث لم يعد يفهمها إلا الكهنة.

2ـ مرحلة الهيراطيقية: وهي الكتابة المختصرة التي حلت محل الهيروغليفية ـ التي ظلت خاصة بالكتابة على المباني الأثرية ـ .. ولقد استعمل الخط الهيراطيقي حوالي سنة 2000 ق. م.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015