خطأ يقع فيه البعض عند إيراد شواهد اللغة

ـ[عبدالله الشهري]ــــــــ[08 - Oct-2008, صباحاً 01:50]ـ

شواهد اللغة من شعر العرب مهمة للغاية لعظم فائدتها، فهي ديوان العرب كما يروى عن ابن عباس ومن خلالها تفهم المعاني والاستعمالات ولو أردنا الإطالة في بيان هذا الأمر لتطلّبنا الأيام تلو الأيام. عند إيراد بعض الشواهد يعمد بعض طلبة العلم إلى أي بيت من بيوت الشعر للشعراء المحتج بهم ويحاول أن يجد الكلمة التي يريدها كشاهد، فإن وجدها أورد الشاهد فوراً، وهذا لا يكفي. فمثلاً، في قوله تعالى ((أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)) كلمة "تجلهون" من جهل يجهل جهلاً يمكن أن نورد لها شاهدين:

الأول: سلي إن جهلتِ الناس عنا وعنهم = = فليس سواءً عالم وجهول

والثاني:

أقول له إذا ما جاء مهلاً = = وما مهلٌ بواعظة الجهول

هنا لا يكفي - بمجرد أن تظفر بأحدهما - أن تورده كشاهد. ينبغي أن تتأكد أن هناك تناسب لأن الجهل له معنيان مشهوران: الأول بمعنى الطيش والسفه وخفة الأحلام ونحو ذلك والثاني بمعنى عدم العلم (أو الجهل البسيط)، ولو تأملنا سياق الآية لوجدنا أنها أقرب للمعنى الأول من الثاني. فأي الشاهدين أعلاه هو الأنسب؟ الشاهد الثاني هو الأنسب وأما الشاهد الأول فقوله "جهلتِ" وقوله "عالم وجهول" تدل على أن المراد ليس معنى الطيش والسفه وإنما معنى العلم من عدمه. وأما الشاهد الثاني فقوله "واعظة" وكذلك المعنى العام للسياق (عجلة وتهور المُخاطب وأمره بأن يتمهل) ينسجم مع معنى "الجهل" في الآية التي تصف حال قوم لوط.

ومما يقرب من هذا أيضاً قول الشاعر:

ألا لا يجهلن أحد علينا = = فنجهل فوق جهل الجاهلينا

ـ[عبدالله الشهري]ــــــــ[08 - Oct-2008, صباحاً 02:09]ـ

كذلك ينبغي التنبيه على أن الأوزان تؤثر في افتراق المعاني: فـ "جهول" صيغة مبالغة - وإن كانت تتضمن معنى "جاهل" - أي كثير الجهل.

ـ[أبو مالك العوضي]ــــــــ[08 - Oct-2008, صباحاً 03:28]ـ

هذا الأمر يقع في علوم اللغة كثيرا، ويقع في غيرها من العلوم أيضا.

ولكن أهم من مناقشة هذه القضية الجزئية أن نناقش السبب الذي يؤدي إلى أمثال هذه البلايا؟

السبب هو أن الذي يتعامل مع الموارد (كتب - شواهد - أدلة - نصوص ... إلخ) ليس لديه خبرة بهذه الموارد، فهو لا ينظر في هذه الموارد إلا عند احتياجه إلى إيراد ما يؤيد كلامه، ولا يحاول أن يحصل الملكة أو الخبرة المهمة جدا لإجادة التعامل مع هذه الموارد.

فمثلا: كثير من طلبة العلم لا يفتحون المعجم إلا عندما يريدون الاستشهاد على كلمة أو البحث عن غريب لفظة، ولا يفكر مطلقا أن يقرأ مواد هذه المعجم أو يحصل الخبرة المناسبة للتعامل معه.

وقل مثل ذلك في كتب الحديث التي لا يفتحها كثير من طلبة العلم إلا عند إرادة التخريج، حتى إنك لتجد من طلبة العلم من لم يقرأ شيئا يذكر من الصحيحين مع أنه مشغول بالأجزاء الحديثية ومعاجم الطبراني مثلا!!

وكذلك كتب التفسير، كثير من طلبة العلم لا يفتحها إلا عندما يريد أن يعرف تفسير آية معينة، ولا يهمه بعد ذلك أن يعرف طريقة المفسر الفلاني أو منهجية المفسر العلاني في عرض المادة، فيخطئون كثيرا في فهم المراد.

وقل مثل ذلك في كل الفنون، فهي مشكلة منهجية كبيرة.

ولا ننكر أن أهل العلم الكبار قد يقعون في الخطأ أيضا، ولكن أمثال هؤلاء إن أخطؤوا مرة يصيبون ألف مرة، فلا ينبغي الاستشهاد بوقوع بعضهم في الخطأ أحيانا في تسويغ مثل هذه الطريقة الخاطئة المخالفة لطريقة أهل العلم.

خلاصة ما أريد أن أقوله: أن العبرة في التعامل مع الموارد المختلفة (الشواهد - الأدلة - النصوص - إلخ) إنما هي بالخبرة والملكة، ولو كانت العبرة بمجرد وجود هذه الموارد، لكان كل من لديه مكتبة كبيرة عالما فحلا، والواقع خلاف هذا.

الكتب تذكرة لمن هو عالم ............ وصوابها بمحالها معجون

ـ[أشرف بن محمد]ــــــــ[09 - Oct-2008, صباحاً 01:59]ـ

[إعادة صياغة للمشاركة رقم: 3 بعد إذن كاتبها، وصاحب الموضوع - ابتسامة -]

(طالب العلم والموارد)

- العبرة في التعامل مع المادة العلميّة "الموارد والمصادر والوسائط .. " (نقلا وعزوا فهما وتقريرا إثباتا ونفيا) .. باتباع القواعد العلمية المنهجيّة المحكمة ..

- هذه القواعد في الجملة يتفق عليها جميع العقلاء، وجميع أرباب الفنون ..

- يرتفع قدر العالم وطالب العلم، ويظهر جودة بحثه وتقريره، كلما التزم هذه القواعد، وينزل بقدر بُعده عنها ..

- الأخطاء المنهجيّة، من سيماها: التكرار؛ لذا هي أشد الأخطاء وأفدحها ..

- مراعاة القواعد المنهجيّة في تناول المادة العلمية، يُورث الطالب مع الزمن ملكة قوية، وخبرة كافية، تعينه وتؤهّله إلى الاستخدام الأمثل للبحر الذي لا ساحل له، أعني: الموارد والمصادر .. ، حتى يُطوَى له الزمن طيّا، فما يكاد تقع عينه على الكلمة حتى يعلم مدخلها ومخرجها، وموردها ومصدرها، وموطن قوتها وضعفها ..

- وينبغي أن يُعلَم أنّ: (كثرة المصادر والمراجع لم تَعُدْ ميزانًا يُفرَّق به بين العالم والجاهل، بل الانتقاء من تلك المصادر والمراجع هو الذي يُفرَّق به بين العالم والجاهل). حاتم العوني.

- العشوائيّة ولو طال زمنها لا تفرز إلا حاطب ليل، والمنهجية ولو قلّ زمنها فإنها تفرز "طالب علم" ولابد ..

- معرفة طريقة المؤلّف تعين على فهم مراده .. وطريقته تُعرَف إمّا بالنص، أو الاستقراء .. فالزم تعرف ..

- القواعد المنهجية الحاكمة تجدها منثورة على هيئة (1 - نصوص تقريرية مباشرة. 2 - استظهار صنيع. 3 – قرائن. 4 - قراءة كتب النّقد بعامّة مفيدة جدا في هذا الباب، كذا سماع مناقشات الرسائل ... إلخ). والله أعلم.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015