و فهم من تقييد اللسان بوصف لحلو على طريقة مفهوم المخالفة أن اللسان المر تنهشه اللبة و هكذا الأوصاف إذا ذكرت في الكلام فإنها إذا لم تفد تخصيص الموصوف بالحكم كان ذكرها عبثا تنزه عنه أقوال الحكماء إلا في موطن ليست حكمتنا منه، و هذه المسألة من مطالب أصول الفقه، فكان للحكمة وجهان منطوق يرغِّب و مفهوم يُرهِّب.

و اعلم أن اللسان في أصل وضعه يطلق على الجارحة كما في قوله تعالى (ألم نجعل له عينين و لسانا و شفتين) وقد يطلق على الكلام من باب تسمية الشيء باسم آلته و هو من ضروب المجاز عندهم، و بهذا المعنى جاء اللسان في قوله تعالى (و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) الآية، و على كلا المعنيين تجري كلمة اللسان في كلامنا، و قد استعمل الحكيم اللسان أولا بمعنى الكلام و ذلك لأنه وصفه بالحلاوة و الأولى أن تكون من صفات الكلام لا من صفات آلته، و ذلك لأن النفوس إنما تجد و ذلك لأن النفوس إنما تجد مذاقة الكلام فتصفه بعد ذلك بالحلاوة أو المرارة، و يوضحه أننا نصرح بهذا في محاوراتنا فنقول (لكلام لحلو) و نقول (كلامك حلو) فنطلق اللسان و نريد الكلام، و هذا شيء تعرفه العرب، لكن في قوله يرضع ضمير يعود على اللسان باعتبار الجارحة إذ لا يتَّأتى الرضاع إلا بها و لا يعقل حصوله من الكلام فالحلاوة وصف لائق بالكلام و الرضاع وصف لائق بآلة الكلام، فعلى هذا فإن الحكيم قد استعمل اللسان أولا بمعنى ثم أعاد الضمير عليه بمعنى آخر فإذا فهمت هذا فاعلم أن الذي جاء به حكيمنا يسميه أهل البيان بالاستخدام و هو أن يكون للفظ معنيان فيُستعمل أولا باعتبار معنى ثم يعاد عليه الضمير باعتبار المعنى الآخر و قد جعلوا منه قول الشاعر العربي:

إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه و إن كانوا غِضابا

فمعنى السماء في الاستعمال الأول هو المطر و معناه عند عود الضمير عليه هو الكلأ، و لا يحضرني مثال من الدارجة إلا ما في هذه الحكمة فجعلتها مثلا، و حقها أن يمثل لها لا بها، و لا أدري أخَطر هذا على قلب حكيمنا أم هو شيء تقوَّلناه عليه؟ و في كل حال فإن كلامه محتمل لما ذكرناه.

يتبع ...

طور بواسطة نورين ميديا © 2015