و إن الكلام عن صلة الدارجة بكلام العرب لقمين بأن يفرد بتأليف مشتمل على أبواب و يبوب فيه لغريب اللغة و أساليب العرب في كلام الناس، و للإمام البشير الإبراهيمي مؤلف في بعض ما ذكرنا و لم أطلع عليه و الظن أنه كتاب جليل فإن هذا الموضوع لا تخدي في فلاته إلا نجائب الإبراهيمي و مما أذكره هنا أن للعلامة الأديب ابن أبي شنب الجزائري كتابا في الأمثال الشعبية في الجزائر و تونس و قد فاتني أن أذكر هذا في كتاب المباني.

و اعلم أن الكلام عن الدارجة لم يكن مقصودا لنفسه و إنما هو شيء نحدوا به العزائم و نوقظ به النائم و كان ذلك سبب اختيارنا للحكمة الشعبية، و فيما سلكناه ما يحبب إليك لغة العرب و لعلك قد وجدت بعض ما قصدناه، و للأستاذ الكبير أبي العباس أحمد بن الهاشمي الجزائري عناية باللغة الدارجة ذهبت به إلى أن كتب مقالا عجيبا نشر في جريدة البصائر عنوانه: " بعد غربة اللغة العربية أصبحنا نخشى على اللغة الدارجة"، و فيه يقول- و بقوله أقول-:" كأني بالقارىء و قد أخذ منه العجب مأخذه عندما سرى جريدة هي لسان حال علماء الجزائر تنتصر للغة العامية و تنشر للدعاية في الترغيب و الحث على صرف طرف من الاهتمام في تحصيله، على رسلك أيها الأخ – إلى أن قال- لكن من نظر إلى المسألة نظرة بحث و تحقيق انكشف له في الحال ما بين الفصحى و العامية من كمال النسبة و عموم الاتصال و لا إخالني مجازفا إن قلت إن اللغة العامية عربية الأصل على نسبة ربما لا تقل عن سبعين بالمائة – و فيه يقول- و من جال في الأقطار الإسلامية و تتبع لهجات الحواضر و البوادي بهره ما يتخلل تلك اللهجات من المفردات و الأصول اللغوية، لذلك كان دأبي تقييد كل ما يلتقطه سمعي من مستملح العبارات و محاسن الأمثال" اهـ محل الغرض منه.

و هو مقال فيه طول و لقد عظمت أبا العباس منذ أن قرأت مقالته و علمت أنه من نبلاء الأمة و لا أدري ماذا فعل الدهر بما كان يكتبه من مستملح العبارات و محاسن الأمثال.

و قد طالت ذيول المقدمة و هذا أوان الشروع في المقصود، اعلم –علمك الله- أن لحكمتنا معنيين أحدهما قريب و الآخر بعيد، فالأول ما دلت عليه ظواهر الألفاظ و إنما سميته قريبا لأنه أول ما يسبق إلى الذهن و لوضوحه أعرضت عنه و لم يكن هذا المعنى أصيلا في نية الحكيم و إنما اتخذ منه قوسا يرمي عنها في مكان بعيد، و كان من مراميها أن النجاة قد تناط بحسن المنطق و حلاوة اللسان و يكثر ذكر هذه الحكمة في وصايا الآباء للأولاد و من المقامات التي تقال فيها مقام الملامة و العتاب لمن جلب على نفسه سوء بسوء منطقه و مرارة لسانه ليعلم أن الرجل يبلغ باللين ما لا يبلغ بالشدة و أن الملاينة تدرأ من الدواهي ما لا تدرؤه المخاشنة و قد ألان النبي صلى الله عليه وسلم الكلام لقوم اتقاء شرهم، و للسان مصارع قد وردتها الأبطال، قال الشاعر:

احفظ لسانك أيها الإنسان ... لا يلدغنَّك إنه ثُعبان

كم في المقابر من صريع لسانه ... كانت تهاب لقاءه الشجعان

و للسان موارد السوء يوم القيامة و العياذ بالله، و في الحديث (و هل يكب الناس على وجوههم – أو قال على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم) و له آفات أفردت بالتأليف.

و قد رمز الحكيم باللبة إلى كل شر و رمز بقوله يرضع إلى كل خير، فكان المعنى أن حلاوة اللسان تدرأ نك كل شر و تجلب لك كل خير، و لكلام الحكماء أنجاد و أغوار على ما فيه من الإيجاز، و كذلك ينبغي أن تكون الأمثال و الحكم من دواعي الرواية.

و في قوله: (اللسان لحلو) ضرب من المجاز و ذلك لأن الحلاوة إنما وضعت للأذواق الحسية فلما كانت النفوس تجد في طيب الكلام ما تجده الأذواق في العسل وصفوا ذلك الكلام بالحلاوة تشبيها له بالعسل.

و إنه لما كانت النفوس تجد من المكروهات ما تجده الأذواق في العلقم وصفوا كل بالغ الكره بالمرارة و شبهوه بالعلقم قال عنترة:

فإذا ظُلمت فإن ظُلمي بَاسل ... مُرٌُّ مذاقه كطعم العلقم

و لقد زعموا أن أصول الطعوم أربعة الحلاوة والمرارة و الحموضة و الملوحة و ما واها فهو مركب منها و لا أدري ما صحته و هو شيء جرنا إليه ذكر الأذواق.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015