يتفق النُّحاة والبيانيّون ([15]) في تسمية ما وقع بين متلازمين اعتراضاً، ودليل هذا قول ابن الأثير ([16]) في كتابه المثلُ السائر: ((الاعتراض، وبعضهم يسمية الحشو. وحدُّهُ كل كلام أدخل فيه لفظ مفرد أو مركب لو أسقط لبقى الأول على حاله.)) ([17])، وقول الْخَطِيب الْقَزْوِيني ([18]) في كتابه الإيضاح في علوم البلاغة: ((الاعتراض، هو أنْ يُؤتى في أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين معنى بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب ... كالتنزيه والتعظيم في قوله جل جلاله: {وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ} [النحل: 57].)) ([19])، وقول السيوطي في كتابه همع الهوامع في حد الجملة المعترضة هي: ((التي تفيد تأكيداً وتسديداً للكلام الذي اعترضت بين أجزائه.)) ([20]).

ويخالف البيانيون النُّحاة في تسميتهم التكميل، والتتميم، والتذييل، اعتراضاً، يقول الخطيب في كتابه الإيضاح في علوم البلاغة: ((ومن النَّاس من لا يقيد فائدة الاعتراض بما ذكرناه، بل يجوز أن تكون دفع توهم ما يخالف المقصود.)) ([21]).

وهؤلاء فرقتان ([22]):

الفرقة الأولى: فرقة لا تشترط في الاعتراض أن يكون واقعاً في أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين معنى، بل يجوز أن يقع في آخر كلام لا يليه كلام غير متصل به معنى، فالاعتراض عندهم يشمل التذييل، كما قال ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسيره لقول الله جل جلاله: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً} [النساء: 122]، فالواو اعتراضية لأنَّ التذييل من أصناف الاعتراض، وهو اعتراض في آخر الكلام.)) ([23])، ومن التكميل مالا محل له من الإعراب، جملة كان أو أكثر من جملة.

الفرقة الثانية: فرقة لا تشترط في الاعتراض أن يكون جملة، فالاعتراض عندهم يشمل من التتميم ما كان واقعاً في أحد الموقعين، ومن التكميل ما كان واقعاً في أحدهما ولا محل له من الإعراب.

ويفهم من كلام الخطيب القزويني ([24]) أنَّ بعض علماء البلاغة خالفوا النُّحاة في مصطلح الاعتراض على قولين:

القول الأول: قول يوافق النُّحاة في أصل الاعتراض، ويخالفهم في اشتراطهم أن يكون جملة أو أكثر، بل يعترضون بالمفرد، ومنه قول ابن الأثير في المثل السائر: ((الاعتراض، وبعضهم يسميه الحشو، وحدُّه كل كلام أدخل فيه لفظ مفرد أو مركب لو أسقط لبقى الأول على حاله.)) ([25]).

القول الثاني: قول لا يشترط فيه أن يكون واقعاً بين متلازمين، بل يجوز أن يقع في آخر كلام لا يليه كلام أو يليه كلام غير متصل به معنى، وهو المفهوم من عبارات الزَّمخشري في تفسيره إن لم يكن هناك تعارض بين متلازمين كقوله: (({وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} حال من فاعل نعبد، أو من مفعوله، لرجوع الهاء إليه في له. ويجوز أن تكون جملة معطوفة على نعبد، وأن تكون جملة اعتراضية مؤكدة، أي ومن حالنا أنا له مسلمون مخلصون التوحيد أو مذعنون.)) ([26]) في تفسير ه لقول الله سبحانه وتعالى: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 133]

إذا عُلِمَ هذا فليعلم أنَّ البيانيين لا يخالفون النحاة في الاعتراض مطلقاً، وإنَّما يخالفونهم فيما إذا أرادوا به التكميل، أوالتتميم، أوالتذييل لإكمال المعنى، أو أرادوا به الاعتراض المفرد.

ولذلك يعد مفهوم الاعتراض عند البلاغيين أعمُّ من مفهومِهِ عند النُّحاة؛ لأنَّ البلاغيين يعدون الجملة الواقعة بين الكلامين المتصلين معنى لا لفظاً، جملةً معترضةً، أمَّا النحاةُ فلا يعدونها اعتراضية حتى يكون بين ما قبلها وما بعدها اتصال لفظي، والجملة الاعتراضية المتوسطة بين متلازمين سقوطها أو بقاؤها لا يؤثر في سياق الجملة المتوسَّط بينها نحوياً، فلا صلة لها بغيرها ولا محل لها من الإعراب.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015