وأما ما ذكرته من اعتماد الفارسي وابن جني كثيرا من آراء الكوفيين فهو أمر غير صحيح فيما أرى، فما أقل المسائل التي وافقوا فيها الكوفيين، ثم إن أبا البركات الأنباري في الإنصاف أيضا قد وافق الكوفيين في عدة مسائل، فهل نقول إنه من المدرسة البغدادية كذلك؟ لا يقول بذلك أحد، وأبو بكر ابن الأنباري ممن خلط بين المذهبين ووافق البصريين أيضا في مسائل، ومع ذلك فهو كوفي اتفاقا.
والأخفش أيضا يوافق الكوفيين في مسائل، ويتفرد عن البصريين بمسائل مع أنه بصري اتفاقا، والمبرد بصري قولا واحدا، مع أنه خالف سيبويه كثيرا.
فخلاصة الأمر أن الموافقة والمخالفة في بعض المسائل ليس لها علاقة بالمذهب النحوي؛ وإنما العبرة بالأصول العامة التي اتبعها العالم، فإن كانت على نهج البصريين فهو بصري وإن خالفهم في بعض الفروع، وإن كانت على نهج الكوفيين فهو كوفي وإن خالفهم في بعض الفروع.
وهذا شبيه بالمذاهب الفقهية، فإن أتباع أحد الأئمة الأربعة قد يخالفونه في كثير من المسائل، ومع ذلك لا يخرجهم ذلك عن الانتساب إلى المذهب؛ لأنهم -وإن خالفوه- ما زالوا يسيرون على القواعد العامة للمذهب.
فالنووي إن خالف الشافعي في مسائل لا يخرجه ذلك عن كونه شافعيا، وهكذا.
فإذا طبقنا هذا الكلام على الفارسي وابن جني وجدنا الأصول العامة التي اتبعاها بصرية واضحة، بل إنهم يعيبون الأصول الكوفية أحيانا في كتبهم وإن وافقوهم في بعض الفروع.
فالذي يقول إنهم مدرسة أخرى خلطت بين المذهبين يلزمه أن يذكر الأصول الكوفية التي اعتمدوها وخالفوا فيها الأصول البصرية، وهو ما لا سبيل إليه فيما أعلم.
وأما أبو حيان فلا يشك أحد يقرأ كلامه أنه بصري، وأما مخالفته للبصريين أحيانا فلا تخرج عما سبق ذكره من أن المخالفة في بعض الفروع لا تخرج العالم عن المذهب، وهو عالم مجتهد في كلام العرب له أن يقول بما أداه إليه اجتهاده وإن خالف البصريين، فلسنا متعبدين بأقوال أهل البصرة كما قال أبو حيان، وهذه العبارة معناها أن الانتساب للمذهب ليس معناه عدم الخروج عن أقواله، كما أن المنتسب للمذهب الشافعي ليس متعبدا بأقوال الشافعي، ولو كان كذلك ما جاز له الخروج عن قوله مطلقا.
ولو فهم أحد من هذه الكلمة ذم المذهب البصري فهو مخطئ؛ لأن أقوال أبي حيان في مدح المذهب البصري كثيرة.
ولا أعلم أحدا من العلماء يستعمل كلمة (أصحابنا) إشارة إلى قوم لمجرد أنه مقتنع بكثير من آرائهم.
فهذه عبارة اصطلاحية معروفة عند العلماء، فإخراجها عن معناها المعروف لا يسوغ بالتوهم.
ولا أريد أن أضيق صدرك بكثرة المناقشات، فأيا ما كان الأمر فلن يعدو الخلاف السائغ في وجهات النظر.
وجزاك الله خيرا وبارك فيك، وشكرا على سعة صدرك.
ـ[ابن تيمية]ــــــــ[27 - Mar-2009, مساء 10:18]ـ
والعلماء المتقدمون نصوا على أنه لا يوجد سوى مدرسة بصرية ومدرسة كوفية فقط ..... المدرستان البصرية والكوفية .. اتجاهان حقيقيان في النحو، لكل منهما أصوله المعروفة.
أذكر أيام الطلب أن شيخنا العلامة الشيخ أحمد دو رحمه الله ذكر لنا في منزله بضعة أصول للمدرسة البصرية , وأخرى للكوفية , ثم قال: "الناظر يستطيع أن يرد هذه الأصول إلى ثلاثة لا غير" , وأطال فيها التحقيق.
أذكر هذا للمباحثة , وليفيدنا الإخوة بما لديهم.
والله من وراء القصد.
ـ[جمال عوض]ــــــــ[28 - Mar-2009, صباحاً 10:39]ـ
الأفضل لك يا أخي الكريم أن أدلك على واحد من أفضل الكتب النحوية التي جمعت المسائل الخلافية بين البصريين والكوفيين، وهو كتاب " الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين " لأبي البركات الأنباري، ويقع في مجلدين، وقد عني الكتاب بذكر مسائل الخلاف بين المدرستين، وبسط أدلة كل مدرسة،مع ترجيح رأي إحدى المدرستين، وقد رجح الانباري آراء البصريين في معظم المسائل ما عدا سبعة مسائل شهيرة رجح فيها المذهب الكوفي.
ـ[سيبويه الوادي]ــــــــ[28 - Mar-2009, مساء 05:58]ـ
أخي العزيز جمال لم تنتبه أن موضوع الخلاف بدأ بهذا الكتاب الذي أشرت إليه الإنصاف وعلى كل بارك الله فيك
أخي العزيز أبا مالك في مشاركة السالفة أقررت بأنه تقسيم جغرافي وليس تقسيما علميا فهذا إقرار مني بأن التقسيم يجب ان يكون على أسس المنهج والأصول العلمةة المتبعة
ولكني أرى أن الأمر يختلف كثيرا عن الاختلاف المذهبي الفقهي
لأن الأصول النحوية ليست كثيرة والمختلف فيه بين الكوفيين والبصريين قليل من الأصول وأغلب اختلافهم في مسائل ومصطلحات فيما أعلم
وأشكرك على سعة صدرك ومرحبا ثم مرحبا بالمشاركات المجدية المفيدة كهذه
وأحب أن أوضح أني لم أعتبر أن من اختلف في المسائل فقد خرج عن المسألة بل أحببت أن أشير أن الاختلاف وارد بين أصحاب نفس المدرسة وعليه فيصعب التمييز في شأن التابعين من العلماء لأي مدرسة ينتمون وخاصة منهم من كان يوافق هذه في أشياء ويخالف في أشياء
وأرى أن الأهم من الحكم بانتماء عالم إلى هذه المدرسة أو تلك هو الحكم على آراءه بالصحة من عدمها أو قوتها وضعفها
ولا ننسى أننا في معظم بلداننا العربية نقرأ كتاب الله بقراءة كوفية فعاصم وحفص كوفيان والقراءة الأشهر هي قراءة حفص عن عاصم
وأكرر الشكر للجميع على رحابة صدورهم
والسلام عليكم ورحمة الله
¥