ـ[نضال مشهود]ــــــــ[15 - عز وجلec-2007, مساء 10:53]ـ

وهذا تعليق الشيخ الفاضل ابن عبد الحليم بن الخضر على الموضوع:

"وبسبب الكلام في (مسألة الإيمان) تنازع الناس، هل في اللغة أسماء شرعية نقلها الشارع عن مسماها في اللغة، أو أنها باقية في الشرع على ما كانت عليه في اللغة، لكن الشارع زاد في أحكامها لا في معنى الأسماء؟، وهكذا قالوا في اسم [الصلاة] و [الزكاة] و [الصيام] و [الحج] إنها باقية في كلام الشارع على معناها اللغوي، لكن زاد في أحكامها. ومقصودهم أن الإيمان هو مجرد التصديق وذلك يحصل بالقلب واللسان. وذهبت طائفة ثالثة إلى أن الشارع تصرف فيها تصرف أهل العرف. فهي بالنسبة إلى اللغة مجاز، وبالنسبة إلى عرف الشارع حقيقة.

والتحقيق أن الشارع لم ينقلها ولم يغيرها، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة، كما يستعمل نظائرها، كقوله تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ}، فذكر حجا خاصاً، وهو حج البيت، وكذلك قوله: {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ} فلم يكن لفظ الحج متناولاً لكل قصد، بل لقصد مخصوص دل عليه اللفظ نفسه من غير تغيير اللغة، والشاعر إذا قال:

وأشهد من عوف حلولاً كثيرة ** يحجون سب الزبرقان المزعفرا

كان متكلماً باللغة، وقد قيد لفظه بحج سب الزبرقان المزعفرا، ومعلوم أن ذلك الحج المخصوص دلت عليه الإضافة، فكذلك الحج المخصوص الذي أمر اللّه به دلت عليه الإضافة أو التعريف باللام؛ فإذا قيل: الحج فرض عليك، كانت لام العهد تبين أنه حج البيت. وكذلك [الزكاة] هي اسم لما تزكو به النفس، وزكاة النفس زيادة خيرها وذهاب شرها والإحسان إلى الناس من أعظم ما تزكو به النفس، كما قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا}. وكذلك ترك الفواحش مما تزكو به، قال تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا} وأصل زكاتها بالتوحيد وإخلاص الدين للّه،

قال تعالى: {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} وهي عند المفسرين التوحيد.

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم مقدار الواجب، وسماها الزكاة المفروضة، فصار لفظ الزكاة إذا عرف باللام ينصرف إليها لأجل العهد، ومن الأسماء ما يكون أهل العرف نقلوه وينسبون ذلك إلى الشارع، مثل لفظ [التيمم]، فإن اللّه تعالى قال: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ}، فلفظ [التيمم] استعمل في معناه المعروف في اللغة، فإنه أمر بتيمم الصعيد، ثم أمر بمسح الوجوه والأيدي منه، فصار لفظ التيمم في عرف الفقهاء يدخل فيه هذا المسح، وليس هو لغة الشارع، بل الشارع فرق بين تيمم الصعيد وبين المسح الذي يكون بعده، ولفظ [الإيمان] أمر به مقيداً بالإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله، وكذلك لفظ [الإسلام] بالاستسلام للّه رب العالمين، وكذلك لفظ [الكفر] مقيداً، ولكن لفظ [النفاق] قد قيل: إنه لم تكن العرب تكلمت به، لكنه مأخوذ من كلامهم، فإن نفق يشبه خرج، ومنه: نفقت الدابة إذا ماتت، ومنه: نَافِقَاءُ اليِرْبُوع، والنفق في الأرض قال تعالى: {فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ}، فالمنافق هو الذي خرج من الإيمان باطناً بعد دخوله فيه ظاهراً، وقيد النفاق بأنه نفاق من الإيمان. ومن الناس من يسمى من خرج عن طاعة الملك منافقاً عليه، لكن النفاق الذي في القرآن هو النفاق على الرسول. فخطاب اللّه ورسوله للناس بهذه الأسماء كخطاب الناس بغيرها، وهو خطاب مقيد خاص لا مطلق يحتمل أنواعاً.

وقد بين الرسول تلك الخصائص، والاسم دل عليها، فلا يقال: إنها منقولة، ولا أنه زيد في الحكم دون الاسم، بل الاسم إنما استعمل على وجه يختص بمراد الشارع، لم يستعمل مطلقاً، وهو إنما قال: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ}، بعد أن عرَّفهم الصلاة المأمور بها، فكان التعريف منصرفاً إلى الصلاة التي يعرفونها لم يرد لفظ الصلاة وهم لا يعرفون معناه؛ ولهذا كل من قال في لفظ الصلاة: إنه عام للمعني اللغوي، أو إنه مجمل لتردده بين المعنى اللغوي والشرعي ونحو ذلك؛ فأقوالهم ضعيفة، فإن هذا اللفظ إنما ورد خبراً أو أمراً، فالخبر

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015