و أما القائل أن " وأحل لكم ما وراء ذلكم" يعني مما ملكت أيمانكم فكيف ذلك و بقية الآية تقول "فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً" أى آتوهن مهورهن فالأجر هنا هو المهر كما قال القرطبى:

والأجور المهور ; وسمي المهر أجرا لأنه أجر الاستمتاع , وهذا نص على أن المهر يسمى أجرا. إنتهى كلامه

و المعلوم أن ملك اليمين ليس لهن مهر , إذن القول بأن معناها ما ملكت الأيمان غير صحيح.

القول بأنها ما وراء ذات القرابة فيه تعميم فليس كل ذات قرابة محرمة و إلا لزم تحريم إبنة العم و إبنة الخال لأنهن من الأقارب و هوغير صحيح.

و أما القائل {وأحل لكم ما وراء ذلكم}: "عدد ما أحل لكم من المحصنات من النساء الحرائر ومن الإماء" فيه تحكم بلا دليل أيضا لأنه مرة أخرى لم يرد ذكر "العدد" فى الآيتين.

أما قول القرطبى:

"وهذا يقتضي ألا يحرم من النساء إلا من ذكر , وليس كذلك ; فإن الله تعالى قد حرم على لسان نبيه من لم يذكر في الآية فيضم إليها , قال الله تعالى: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" [الحشر: 7] "

و قوله أيضا:

"لأن الكتاب والسنة كالشيء الواحد ; فكأنه قال: أحللت لكم ما وراء ما ذكرنا في الكتاب , وما وراء ما أكملت به البيان على لسان محمد عليه السلام"

فلا يخفى أن فيه إقحام لكلام غير موجود بالآية و تحميل النص ما لم يحمله فمن أين يفهم أن " ما وراء ذلكم" تضم "ما أكملت به البيان على لسان محمد عليه السلام "؟ مرة أخرى أداة الإشارة هنا فى "ذلكم" لابد أن تعود على شئ ورد ذكره أو يفهم من سياق الكلام و الحديث الذى صح عن النبى بالنهى عن الجمع بين المرأة و عمتها أو خالتها لا هو ورد فى الآيتين و لا يظهر فى السياق لأنه لو جاز قول هذا لأصبح الباب مفتوحا أمام كل من يريد إثبات شئ فى القرآن بالقول بأن الآية تشير إلى كذا و كذا و يأتى بكلام بعيد لا يفهم من السياق و بالتالى لا يثبت الدين و تكثر بذلك الفتن كما هو حاصل فى زماننا نسأل الله أن يقينا شر هذه الفتن.

و القائل "والجمع بين المرأة وعمتها في معنى الجمع بين الأختين"

فليست المرأة و عمتها أو خالتها كالأختين فهناك فرق واضح

و القائل " لأن الخالة في معنى الوالدة والعمة في معنى الوالد" يبدوا حسنا و يخلوا من الإضطراب اللغوى لكن يظل فيه إشكالا و هو لو كانت حكم الخالة هو الأم فلماذا إذن ذكر الله تعالى الخالات فى المحرمات بعد أن ذكر تحريم الأمهات فلو كان كذلك لاكتفى بذكر الأمهات.

و الأصوب فى هذه الأقوال هو قول أبو جعفر في تفسير الطبرى حيث قال "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب , ما نحن مبينوه ; وهو أن الله جل ثناؤه بين لعباده المحرمات بالنسب والصهر , ثم المحرمات من المحصنات من النساء , ثم أخبرهم جل ثناؤه أنه قد أحل لهم ما عدا هؤلاء المحرمات المبينات في هاتين الآيتين أن نبتغيه بأموالنا نكاحا وملك يمين لا سفاحا"

فهذا كلام منضبط بقواعد اللغة و الفهم الواضح الذى لا لبس و لا تكلف فيه.

لكن يظل السؤال قائما كيف يكون الجمع بين الآيات و حديث تحريم الجمع بين المرأة و عمتها أو خالتها؟

إن الأمر يقتضى - ظاهريا - ألا يخرج عن واحدة من أربع:

الأولى: أن يكون الحديث غير صحيح

و بالطبع ذلك منتفى فالحديث صحيح الثبوت و خصوصا أنه ورد فى الصحيحين و نحن نؤمن بأن ما فى الصحيحين صحيح و من المعروف أن صحيح البخارى أصدق كتاب بعد كتاب الله تعالى و الحديث لا يصل إلى درجة الصحة حتى يستوفى من الشروط ما يمكن منه التأكد و الإطمئنان لثبوته عن النبى صلى الله عليه و سلم و هى إتصال السند و العدل و الضبط لكل راوى من رواته و الخلو من الشذوذ و العلة.

الثانية: أن يكون الحديث منسوخ بالآية

و هذا لم يثبت و لم يقل به أحد من السلف بل الواضح أن الحديث جاء بعد نزول الآية.

الثالثة: أن يكون النهى فى الحديث للكراهة و ليس للتحريم

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015