هـ. وحديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي (قال: (للغلام عقيقتان وللجارية عقيقة).

ففي هذه الأحاديث استعمل النبي (لفظ العقيقة فدل على الإباحة لا على الكراهة.

وكذلك فقد سبق ذكر طائفة من الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين التي استعملوا فيها لفظ العقيقة بدون كراهة للّفظ، كما أن فقهائنا يستعملون هذه اللفظة في كتبهم ولا يستعملون لفظة نسيكة.

قال الامام ابن عبد البر في التمهيد:

وكان الواجب بظاهر هذا الحديث أن يقال للذبيحة عن المولود نسيكة ولا يقال عقيقة لكني لا أعلم أحدا من العلماء مال إلى ذلك ولا قال به وأظنهم والله أعلم تركوا العمل بهذا المعنى المدلول عليه من هذا الحديث لما صح عندهم في غيره من لفظ العقيقة وذلك أن سمرة بن جندب روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الغلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه.

و قال في موضع آخر من التمهيد:

فهذا لفظ العقيقة قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة أثبت من حديث زيد بن أسلم هذا وعليها العلماء، وهو الموجود في كتب الفقهاء وأهل الأثر في الذبيحة عن المولود العقيقة دون النسيكة.

قال الشيخ محمد الشنقيطي في شرح زاد المستقنع:

وقد كره بعض العلماء تسمية ما يذبح في السابع بالعقيقة، والصحيح جوازه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (كل غلام مرتهن بعقيقته)، بل ذهب بعض العلماء إلى تحريمه؛ لأن العقوق لا خير فيه، فكرهوا هذا الاسم.

والصحيح أنه ما دام قد ثبت به النص فلا بأس بالتسمية ولا حرج فيها، وقال بعض العلماء: يقال لها: نسيكة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (انسك نسيكة) و الجواب

أن هذا ورد في دم الفدية وليس في العقيقة، كما ثبت في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة، والتسمية بالنسيكة -وهي فعيلة بمعنى مفعولة، أي: منسوكة- إنما هو من باب الذبح، أي: أنها شاة مذبوحة، وهذا الاسم مطلق وليس بمقيد.

فالصحيح أنه يجوز تسميتها عقيقة، ويقول الرجل: عققت عن ولدي، وهل عققت عن ولدك؟ ونحو ذلك؛ وذلك لثبوت الخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال التوربشتي [مرقاة المفاتيح للملا علي قاري 7/ 749]:

((وإنما الوجه فيه أن يقال: يحتمل أن السائل إنما سأله عنها لاشتباه تداخله من الكراهة والاستحباب أو الوجوب والندب وأحب أن يعرف الفضيلة فيها ولما كانت العقيقة من الفضيلة بمكان لم يخف على الأمة موقعه من الله وأجابه بما ذكر تنبيهاً على أن الذي يبغضه الله من هذا الباب هو العقوق لا العقيقة، ويحتمل أن يكون السائل ظن أن اشتراك العقيقة مع العقوق في الاشتقاق مما يوهن أمرها فأعلمه أن الأمر بخلاف ذلك ويحتمل أن يكون العقوق في هذا الحديث مستعاراً للوالد كما هو حقيقة في المولود وذلك أن المولود إذا لم يعرف حق أبويه وأبى عن أدائه صار عاقاً فجعل إباء الوالد عن أداء حق المولود عقوقاً على الاتساع فقال: لا يحب الله العقوق أي ترك ذلك من الوالد مع قدرته عليه يشبه إضاعة المولود حق أبويه ولا يحب الله ذلك))

قلت: الظاهر و العلم عند الله أن أقوى الأقوال هو هذا القول الثالث، فلا يقال بأن التسمية بالعقيقة مكروهة و أن المستحب هو تسميتها بالنسيكة، و ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم ذكر العقيقة عدة مرات في العديد من الأحاديث، في كل الأحاديث ما كان يسميها إلا عقيقة، و لم يسمها بإسم نسيكة و لا في أي حديث، و كذا آثار الصحابة و التابعين كانوا يسمونها عقيقة و ما ورد عنهم أنهم أسموها نسيكة.

(ملاحظة: من أراد الاطلاع على الأحاديث و الآثار عن الصحابة و التابعين في العقيقة في موضع واحد فليرجع إلى كتاب المفصل في أحكام العقيقة للشيخ حسام الدين عفانة)

فالعقيقة هي التسمية التي كان يطلقها النبي صلى الله عليه و سلم، ثم الصحابة و التابعون، و لم يطلقوا عليها مسمى (النسيكة)، و على هذا سار علماء الأمة في كتبهم و مؤلفاتهم فيقولون باب العقيقة، و ليس باب النسيكة.

كذلك أيضا لا يقال بأن المكروه هو هجر تسميتها بالنسيكة، فالنبي صلى الله عليه و سلم و من بعده الصحابة و التابعون كذلك لم يهجروها فقط، بل إنهم لم يطلقوا هذه التسمية أصلا، فضلا عن هجرها، و إنما كانوا يسمونها عقيقة.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015