بلية المسلمين ? نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ? [الحشر: 19] فانصاعوا لنداء من يهلكهم كالشاء تنصاع للجزار.
الحادي والثاني والأربعون: عبودية الله توجب على العابد أن يجعل لقلبه هجرتين:
هجرة إلى الله: بهجر جميع ما نهى الله عنه، والإقدام على ما أمر الله به، رغبة في وعده، ورهبة من وعيده، وتعظيماً لشأنه، وحباً للقائه بإخلاص وصدق غير مشوبين بحاجة صدر أو تحرج أو توجع، وأن يتمسك بكتابه عملاً كاملاً وتبليغاً؛ لأن من لم يعمل بالكتاب لا يكون مقدراً لرسل الكتاب، وأن يغضب لانتهاك محارمه أزيد مما يغضب لنفسه لو أهينت كرامته؛ فيستعد بكل مقدوره لنصرة ربه جل وعلا، والله لا يخذله.
والهجرة الأخرى: إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بالتأسي به في كل شي وتقديم سنته على كل شيء، وتحكيمها في كل شيء، وعدم الحكم عليها من أي شيء، فيدور مع قول الله ورسوله نفياً وإثباتاً، ولا يقدم على أمر من الأمور دون التقيد بها، ولا يرضى عن أي نحلة ورائدها أو عقيدة وواضعها، أو مبادئ ومؤسسها، حتى ينظر إلى موافقتها ملة إبراهيم عليه السلام المأمور باتباعها في القرآن، ومطابقتها حكم الإسلام أصلاً وفرعاً، فينبذ ما خالف الملة الإبراهيمية، والشريعة المحمدية، وينابذ من تصدى لمخالفتها من أرباب تلك المبادئ والعقائد العصرية، ويعتبر الداعية إليها والمناصر لها طاغوتاً، لتجاوزه أمر الله وحدوده، لاسيما إذا صد عن سبيل الله بإلقاء الشبهات والأضاليل، أو أخرس الدعاة إلى الله بأي وجه من وجوه، فيكفر به الكفر الذي تستلزمه عبودية رب العالمين، ويتبرأ منه ومن أحبابه ومناصريه، ليكون مهاجراً إلى ربه، متمسكا بالعروة الوثقى، فالهجرة القلبية إلى الله ورسوله بالإخلاص والمتابعة فرض عين على كل شخص وفي كل زمان ومكان، وهي روح الدين وحقيقة الإيمان.
أما الهجرة البدنية: فهي:
الثالث والأربعون: وهذه قد تجب مطلقاً، وقد تجب على شخص دون شخص، وفي وقت دون وقت، وفي مكان دون مكان، بحسب ما يترتب على الانتقال من الفائدة وعلى عدمه من الفتنة، وفي وجوبها على التحتيم ثلاث حالات:
أحدها: أن يكون المسلم في مكان يفتتن فيه عن دينه، أو لا يتمكن فيه من إقامته، كما يعتقد، فيجب عليه الهجرة إلى البلد الذي يعلم أنه يكون فيه أقوم بحق الله وأدوم على عبادته، ويكون حراً في تصرفه وإقامة دينه؛ لأن عدم الهجرة يترتب عليها ما لا يحصى من المعاصي، بحيث يكون غير محقق لـ ? إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ?.
ثانيها: احتياج المسلم إلى معرفة الدين والفقه فيه، حيث عدم المرشد في مكانه، فيجب عليه الهجرة ليتلقى ويتعلم ما جهله.
ثالثها: إذا كان هناك جماعة أو دولة للمسلمين ضعيفة يخشى عليها من الانصهار في الكتل والمبادئ المخالفة لما أنزل الله، والانجراف في تيار الفسوق والإلحاد، وجب على عموم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يساعدوها مادياً وأدبياً ومعنوياً، ويشدوا أزرها بكل وسيلة، فإذا توقفت نصرتها على الهجرة وجبت الهجرة إليها حتى على البعيد عنها وجوباً قطعياً لا هوادة فيه، وإلا كان راضياً بضعفها، ومعينًا لأعداء الإسلام على إبطال دعوته، وخفض كلمة الله، لأنه يجب على مجموع المسلمين السعي بكل مجهود لتكوين جماعة أو دولة قوية تنشر دعوة الإسلام، وتقيم أحكامه وحدوده وتحفظ بيضته، وتكون مأوى لأهله ودعاته، يجتمعون بها من البغي والظلم.
فمناصرتها والتهافت إليها بالهجرة من أوجب واجبات الدين؛ لأنها بصدق عزيمتهم وقوة إيمانهم تكون لهم مركزاً ونقطة انطلاق إلى العز والسؤدد وإعلاء كلمة الله، وبدونها يذوبون وينصهرون في المجتمعات الفاسدة، ويكون أولادهم عوناً لأعدائهم عليهم، لما يتلقونه في المدارس من الثقافة الاستعمارية.
¥