فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح وذلك استنادا إلى قوله -صلى الله عليه وسلم-: (يا عائشة لولا أن قومك حديث عهدهم بكفر لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين، باب يدخلالناس وباب يخرجون) قال الحافظ ابن حجر: "ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع فيالمفسدة، ومنه ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه، وأن الإمام يسوس رعيتهبما فيه صلاحهم، ولو كان مفضولاً ما لم يكن محرماً" [22] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn22).

وقال النووي في شرح الحديث: "وفي الحديث دليل لقواعد من الأحكام منها إذا تعارضتالمصالح أو تعارضت مصلحة ومفسدة، وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدأبالأهم؛ لأن نقْضَ الكعبة وردَّها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم عليه السلاممصلحة، ولكن تعارضه مفسدة أعظم منه وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريباً، وذلك لماكانوا يعتقدون من فضل الكعبة فيرون تغييرها فتركها صلى الله عليه وسلم" [23] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn23)

قال العز بن عبد السلام -رحمه الله-: "إذا اجتمعت مصالح ومفاسد فإن أمكن تحصيلالمصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك امتثالاً لأمر الله تعالى فيهما لقوله سبحانهوتعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن:16)، وإن تعذر الدرءوالتحصيل، فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفواتالمصلحة, قال الله تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْفِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْنَفْعِهِمَا) (البقرة:219)، حرمهما لأن مفسدتهما أكبر من منفعتهما ... وإن كانتالمصلحة أعظم من المفسدة حصلنا المصلحة مع التزام المفسدة، وإن استوت المصالحوالمفاسد فقد يتخير بينهما وقد يتوقف فيهما وقد يقع الاختلاف في تفاوتالمفاسد". [24] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn24)

تطبيقاتها

مثال ذلك: كما في قوله تعالى عز وجل {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ (1)}. فلا شك أن سب آلهة المشركين قربة يتقرب العبد بها إلى الله عز وجل وهي مصلحة ولا شك لكن لما كان ذلك يؤدي إلى أن يسب المشركون الله عز وجل نهى عن ذلك لماذا؟

لأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة, وهذه القاعدة يستفيد منها الداعي إلى الله سبحانه وتعالى في دعوته حال مراعاته ذلك.

فالنبي صلى الله عليه وسلم مثلاً همَ أن يبني الكعبة وأن يجعل لها بابان لولا أن قريش حديثي عهد بالإسلام فخشي عليهم من الفتنة [25] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn25).

ومن الأمثلة الفرعية: أن الجار يمنع من التصرف في ملكه، يعني: في بيته، إذا أدى تصرفه إلى الإضرار بجاره، مثل لو إنسان يتعاطى بيع الأغنام، بيع الماشية، فوضع في بيته، وبجانب جدار جاره حظيرة أغنام، فهذه الحظيرة سببت الإزعاج لجاره، من جهة أصوات المواشي، ومن جهة روائحها، فإنه يمنع الجار.

يمنع الجار، ولا يقال: كيف تمنعونني؟ وأنا أتصرف في ملكي، نقول: لأن فعلك هذا فيه مصلحة لك، ولكن فيه مفسدة لغيرك، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

مثال آخر أيضا: منع التجارة بالخمر والمخدرات وغيرها من المحرمات؛ لأن هذه التجارة فيها مصالح وأرباح لهؤلاء التجار، ولكن بالمقابل فيها مفاسد، فيمنع من بيعها، من باب درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، نكتفي بهذه الفروع.

[1] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftnref1) شرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي ,شرح: خالد بن إبراهيم الصقعبي: ص:21

[2] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftnref2) لسان العرب , مرجع سابق , 7/ 384؛ الفيروزأبادي , القاموس المحيط, بيروت-لبنان , مؤسسة الرسالة , ط 6 , 1998 , ص 229

[3] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftnref3) محمد سلام مدكور, مناهج الإجتهاد في الاسلام, جامعة الكويت-الكويت , ط 1, 1973 م ص 280

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015