بعد إنتحال الفجّاري جهد غيره و نسبته إلى نفسه و خاصة جهد المستشرق لويس ماسينيون المعروف بحبه الشديد للحلاج و اهتمامه بالتصوف الإسلامي عموما, صدق نفسه و توهم فعلا أنه بذلك أصبح صاحب مدرسة الحقيقة بصدق, لذلك, لم أقرأ في عمل الفجّاري هذا ,أصدق من إعترافه قائلا:"أما المرحلة الثالثة فهي التي ندعي إنجازها هنا" (ص2) لأن قول المؤلف إنه يمثل " النمو الطبيعي" لمحاولات ماسينيون و تلميذه بول نويا, بل إنه مصوب أخطائهما, و لم يجد الزمان بعدهما إلا به هو ليدرس التصوف الإسلامي و يجمع و يحقق نصوصه, إن قواه هذا ليس إلا مجرد إدعاء, لأنه يجهل أو يتجاهل كما هائلا من الدراسات العلمية الجادة حول التصوف الإسلامي, حفلت بها المكتبات العامة و المكتبات الجامعية في العديد من البلدان العربية بما فيها تونس.
و لكن هذا الإدعاء يهون أمام إدعاء آخر أعظم, يزعم فيه الفجّاري, و أرجو أن يكون ذلك منه سوء تعبير, أن القرآن الكريم نص إفتراضيّ أي موضوع للشك مثله مثل الشعر الجاهلي و خطب الكهان, و ذلك في قوله حرفياً:"إن منطلقنا في الكتابين الأولين نصوص إفتراضية لأنها دونت لاحقا و خضعت للإكراهات نفسها التي خضعت لها خطاباتنا الشفوية القديمة مثل الشعر الجاهلي و الخطابة و القرآن" (ص1).
فإذا تجاوزنا على مخض هذا الإدعاء الخطير بكل ما يترتب عنه من نتائج دينية و معرفية, لا نريد التوقف عندها لأن القرآن الكريم منزه عن كل ريب, فإن ما سماه الفجّاري تحقيقا لا يخضع لأبسط قواعد التحقيق, و هي:
1 - أن لا يكون النص محققاًمن قبل, و قد راينا عكس ذلك أن المؤلف إنما أعاد نشر نصوص محققة و منشورة, و غاية ما فعله أنه, و دون العودة إلى المخطوط الأصلي, إكتفى بالترجيح التخميني لأحد التحقيقين السابقين إذا إختلف في بعض العبارات, و حتى في هذا فقد وقع في خطاء الفهم أحياناً مثل ما ورد في تفسير الحلاج لقوله تعالى (في سورة الحاقة):" فلا أقسم بما تبصرون و ما لا تبصرون" قال الحلاج-حسب تحقيق سيد عمران-:" ... وما أظهر الله من صفات و أراهم من صنعه و أبدى لهم من عمله في جنب ما إختزن عنهم إلا كذرة في جميع الدنيا و الآخرة و لو أظهر الله من حقائق ما إختزن لذابت الخلائق عن آخرهم فضلا عن جملها", و لكن الفجّاري خطّأ المحقق في عبارة جَملها, و عوضها بعبارة " حَملها", و هي عبارة لا معنى لها في هذا السياق, و الصواب ما أورده المحقق أي جَملها (بالجيم لا بالحاء) بمعنى فضلاً عن جمعها و إجمالها: ما ظهر منها و ما خفي.
2 - التعريف بالمخطوط المحقق و مختلف نسخه و تاريخ نسخه و مكانه و خطه و التعريف كذلك بصاحبه و بناسخه, و هو ما غاب تماماً في هذا التحقيق المزعوم سواء في تفاسير الحلاج و الجنيد أم في كتاب الحرالّية "مفتاح الباب" الذي لم نعرف من الفجّاري من يكون هذا الشخص, من أي بلد من بلدان الأندلس هو, على من درس من المشايخ و ما هي مكانته في عالم التصوف و إن كانت له مؤلفات أخرى و اكتفى بالتعريف العام "هو علم من أعلام الصوفية بالأندلس." و قد لاحظ أن الهمزة في هذا النص كثيراً ما ترد مخففة أو مليّنة, و نسب ذلك دون حجة إلى الناسخ, مع العلم أن الميل إلى اللهجات الدارجة كان من الميزات التي وسمت الكتابة الأدبية و غيرها في الأندلس خلال هذه المرحلة المتأخرة أي بداية من القرن السابع الهجري.
و الغريب أن المحقق, و هو يحاول وصف المخطوط, لا يذكر نوعية الخط, و يبدو أنه لا يميز بين نظم الخط العربي المختلفة, و اكتفى بتأكيد غريب و عام جداً يكاد لا يعني شيئا و هو أنه يوجد " شبه جزئي بين هذا الخط و بين بعض القرائن الأسلوبية في مقدمة إبن خلدون مثلا" (هامش ص8) و للقارئ أن يتساءل كيف تجوز المقارنة بين خطّ ما و هو شكل في رسم الحروف و بين الخصائص الأسلوبية في مقدمة إبن خلدون و هي سمات فنية تهم المعنى و البلاغة؟! مع ضرورة التنبيه إلى كثرة الأخطاء اللغوية و أخطاء الطباعة.
¥