لا تصح نسبة عدم وقوع الطلاق في الحيض لأحد منأئمة أهل السنة مطلقا، فنسبة هذا القول إلى أصحاب أبي حنيفة غلط فلا يقول حنفي بهذاإلا من لم يكن من أهل السنة، كما أن نسبة هذا القول للقاضي أبي بكر ابن العربيالمالكي غلط كبير، وكذلك نسبة هذا لابن عقيل الحنبلي وهم بلا شك، وأما نسبة هذالأحد من الصحابة فكاذبة بلا شك ولا قال هذا أحد من التابعين قط، وكل ما ينقل بخلافذلك فهو أوهام أو أكاذيبالحشوية، ومن تتبع النصوص التي ينقلها المبتدعة عن السلفوحققها وجدها بخلاف ما يفترون، والمسألة محل إجماع ولا عبرة بمن شذ عن الإجماع علىتقدير وجود من خالف لأن الإجماع قاض على هذا الشذوذ.
نعم تصح نسبة هذا القوللنفاة الإجماع أو مستسهلي خرقه دوما كابن تيمية ومن تبعه، وما جرى عليه بسبب شذوذهمعروف، كما أن نسبة هذا القول للشيعة الإمامية صحيحة، وكذلك صح ذلك عن ابن الوزيرالصنعاني وأتباعه كالأمير الصنعاني والشوكاني وأمثالهم من مدرسة الزيود اللامذهبييننفاة الإجماع فنسبة صحيحة ولا ننكرها، ولكن ننكر أن يكون هؤلاء من أهل السنة أصلا، ويجمعهم إنكار إجماعات أهل الحق وعدم الاعتداد بها، وطريقة هؤلاء اللامذهبيين نفاةالإجماع منتشرة اليوم في كثير ممن يظن أنهم يمثلون أهل السنة.
الحجة على أن طلاق الحائض يقع
روىالإمام البخاري في صحيحه قال:
حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن أنس بن سيرين قال سمعت ابنعمر قال طلق ابن عمر امرأته وهي حائض فذكر عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فقالليراجعها قلت تحتسب قالفمه؟
وعن قتادة عن يونس بنجبير عن ابن عمر قال مره فليراجعها قلت تحتسب؟ قال: أرأيت إنعجز واستحمق؟
حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن سعيد بنجبير عن ابن عمر قالحسبت عليبتطليقة.
قال ابن رجب في "جامع العلوموالحكم":
((قال الإمام أحمد في رواية أبي الحارث، وسئلعمن قال: لا يقع الطلاقُ المُحَرَّمُ؛ لأنه يخالف ما أمر به، فقال: هذا قول سوءرديء، ثم ذكر قصة ابن عمر وأنه احتسب بطلاقه في الحيض)) اهـ.
ثم نقلابن رجب عن الإمام أبي عبيد القاسم قوله:
((الوقوع هوالذي عليه العلماء مجمعون في جميع الأمصار: حجازهم وتهامهم، ويمنهم وشامهم،وعراقهم ومصرهم، وحكى ابن المنذر ذلك عن كل من يحفظ قوله من أهل العلم إلا ناسا منأهل البدع لا يعتد بهم)) اهـ.
وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي الحنفي في "شرح معاني الآثار":
((وقد رأينا {رسول الله صلى الله عليه وسلم، لماسأله عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن طلاق عبد الله امرأته وهي حائض، أمرهبمراجعتها}، وتواترت عنه بذلك الآثار، وقد ذكرتها في الباب الأولولا يجوز أن يؤمر بالمراجعة، من لم يقع طلاقه.
فلما كان النبيصلى الله عليه وسلم قد ألزمه الطلاق في الحيض، وهو وقت لا يحل إيقاع الطلاقفيه، كان كذلك من طلق امرأته ثلاثا)) اهـ.
وقال الإمام الخطابي على رواية "أرأيت إن عجز واستحمق":
((في الكلام حذف، أي أرأيت إنعجز واستحمق أيسقط عنه الطلاق حمقه أو يبطله عجزه؟ وحذف الجواب لدلالة الكلامعليه)) اهـ.
وقال المهلب: ((معنى قوله " إن عجزواستحمق " يعني عجز في المراجعة التي أمر بها عن إيقاع الطلاق أو فقد عقله فلم تمكنمنه الرجعة أتبقى المرأة معلقة لا ذات بعل ولا مطلقة؟ وقد نهى الله عن ذلك، فلابد أن تحتسب بتلك التطليقة التي أوقعها على غير وجهها)) اهـ.
قالالحافظ ابن حجر:
((وحكاه الخطابي عن الخوارجوالروافض)) اهـ أي القول الشاذ الرديء بعدم الوقوع.
وقال الإمام ابنعبد البر:
((قول ابن عمر " فمه " معناه فأي شيء يكونإذا لم يعتد بها؟ إنكارا لقول السائل " أيعتد بها " فكأنه قال: وهل من ذلك بد؟)) اهـ.
وقال ابن عبد البر أيضا:
((لايخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال يعني الآن)) اهـ. يشير إلى أن كل خلافكان بين أهل السنة قديما فقد انتهى ومضى وانعقد الإجماع.
وقال أيضا: ((وروي مثله عن بعض التابعين وهو شذوذ)) اهـ أي أن عدم إيقاعالطلاق قول شاذ قضى عليه الإجماع ورد عليهم ابن عمر وغيره.
وقال القاضي أبوبكر بن العربي في العارضة:
((قال علماؤنا الطلاق فيالحيض وإن كان حراما فإنه يلزم إذا وقع خلافا لابن علية ومن تبعه والدليل عليه .. )) اهـ.
¥