"الدقة في الفاصلة القرآنية والترتيب المحكم والنظام البديع لا يقلّ عما في هذا الكون .. فخالق الكون ومنزل القرآن هو الله الذي أتقن كل شيء .. وكان حريّاً بأولئك أن لا يصدروا أحكاماً على ما لا يعلمون .. وهذا ما تقتضيه بديهيات البحث العلمي".
إذن الفاصلة القرآنية لها وظيفتان:
الوظيفة الرئيسة: معنوية يحتمها السياق.
ووظيفة أخرى: لفظية تتصل بجمال الإيقاع .. ولا يجوز أن نقول إن الفاصلة جاءت لتتفق مع رؤوس الآي الأخرى فقط دون الانتباه للغرض المعنوي.
وهذا ما قررته أيضاً د/ عائشة عبد الرحمن في كتابها (الإعجاز البياني للقرآن)
والغرض المعنوي للقرآن هو المعنى الذي تؤديه الفاصلة .. قال علي الجندي:
"من مزايا معاني الفواصل في القرآن الكريم شدة ارتباطها بما قبلها من الكلام .. وقوة تعطّف الكلام عليها .. كأنهما معاً جملة مفرغة يسري فيها روح واحد، ونغم واحد ينحدر إلى الأسماع انحداراً .. وكأن ما سبقها لم يكن إلا تمهيداً لها لتتمم معناه .. حتى لتبلغ من وقوعها موقعها، واطمئنانها في موضعها أنها لو حذفت لاختل معنى الكلام، واضطرب فهمه، واستغلق بيانه .. ولو سُكت عنها لاستطاع السامع أن يختمه بها انسياقاً مع الطبع الملهم والذوق السليم".
ثم يتابع فيقول ـ:
"بل قد يبلغ من تعيّنها في مكانها وفرض نفسها عليه .. أنها لو بدّل بها غيرها لأدرك السامع الحصيف الثاقب الفطنة أن كلاماً غريباً ينقصه التناسب حلّ محلها، فأنكر ذلك سمعه وضاق به صدره.
من ذلك أن أعرابياً سمع رجلاً يقرأ:
(وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ) .. قرأها بفتح الكاف.
فقال الأعرابي: لا يكون!! .. فقرأها عليه بضم الكاف وكسر الفاء.
فقال: يكون".
واتصال الفاصلة مع السياق قد يكون ظاهراً لا يحتاج إلى مزيد نظر .. وقد يحتاج إلى تأمل وتفكّر ودراية بمعاني الكلمات الدقيقة .. وهذه الدراية هي التي تبيّن تمكّن الفاصلة من موقعها وتنفي الترادف عن بعض الكلمات.
فلا يُقال حينئذٍ: إن الآية لو خُتمت بـ (الرءوف) بدلاً من (الرحيم) لا بأس .. فالكلمتان تدلان على الرحمة.
وقد قُرر العلماء أن الكلمة أو الفاصلة مختارة ومقصودة دون غيرها من الكلمات التي قد يُظن بها الترادف .. وهذا يعني أنه لا ترادف في القرآن .. كما أنه لا ترادف في العربية بشكل عام.
نفي الترادف:-
لكل لفظة في اللغة العربية معنى خاص به يميّزه عن غيره من الألفاظ .. فهناك فروق بين الكلمات .. هذه الفروق هي التي جعلت لكل كلمة موقعها الذي لا يناسبه غيرها .. وهذا هو نفي الترادف.
وقد تحدث عن هذا العلماء قديماً وحديثاً، يقول د/ محمد المبارك في كتابه (فقه اللغة وخصائص العربية) عن موضوع الترادف تحت عنوان: (آفة الترادف والعموم والغموض) .. أنقل كلامه باختصار .. قال:
"لقد أصاب العربية في عصور الانحطاط المنصرمة مرض العموم والغموض والإبهام .. كما أصابت هذه الآفات التفكير نفسه، فضاعت الفروق الدقيقة بين الألفاظ المتقاربة فغدت مترادفة".
ثم قال:
"وقد كان كتّاب العربية في العصور الزاهرة يحرصون على دقة التعبير ووضع الألفاظ في مواضعها .. ونحن اليوم بحاجة للتحرر من آفات عصور الانحطاط في ميدان اللغة .. والعودة إلى خصائص العربية في استعمال اللفظ الخاص والعام، وكل في موضعه اللائق به، ومكانه المناسب له".
وردّ الإمام محمد عبده بشدة القول بوجود كلمات مترادفة .. حيث قال:
"وأنا لا أجيز لمسلم أن يقول في نفسه أو بلسانه إن في القرآن كلمة تغاير أخرى .. ثم تأتي لمجرد تأكيد غيرها بدون أن يكون لها في نفسها معنى تستقل به.
نعم قد يكون معنى الكلمة هو عين معنى الأخرى تقريراً أو إيضاحاً .. ولكن الذي لا أجيزه هو أن يكون معنى الكلمة هو عين معنى الأخرى بدون زيادة، ثم يؤتى بها لمجرد التأكيد لا غير .. بحيث تكون من قبيل ما يُسمى بالمترادف في عرف أهل اللغة .. فإن ذلك لا يقع إلا في كلام من يرمي في لفظه إلى مجرد التنمق والتزويق .. وفي العربية طرق للتأكيد ليس هذا منها".
وعلى هذا .. فلا يقال مثلاً في قوله تعالى: (إن الله كان عفواً غفوراً) إن (عفو) و (غفور) بمعنىً .. وجاء اسم (الغفور) لتوكيد (العفو) دون زيادة معنى، فلا بد من زيادة فائدة.
¥