ـ[يوسف حميتو]ــــــــ[10 - صلى الله عليه وسلمpr-2010, مساء 09:31]ـ
3 - علاقة مراعاة الخلاف بالتعسف في استعمال الحق في المذهب المالكي
لقد قرر الشاطبي رحمه الله أن الشريعة أساس الحقوق، فالحق ليس اختيارا من المكلف، بل هو ثابت بما تثبت به الأحكام من الأدلة الشرعية، وعلى هذا المعنى يقرر رحمه الله أن الحق الثابت بأصل الشرع ما هو إلا وسيلة لتحقيق المقاصد التي قصدها الشارع، وليس غاية، قال رحمه الله:" ما ثبت أن الأحكام شرعت لمصالح العباد كانت الأعمال معتبرة بذلك؛ لأنه مقصود الشارع فيها كما تبين، فإذا كان الأمر في ظاهره وباطنه على أصل المشروعية؛ فلا إشكال، وإن كان الظاهر موافقًا والمصلحة مخالفة؛ فالفعل غير صحيح وغير مشروع؛ لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها، وإنما قصد بها أمور أخر هي معانيها، وهي المصالح التي شرعت لأجلها؛ فالذي عمل من ذلك على غير هذا الوضع؛ فليس على وضع المشروعات".الموافقات، 3/ 121.
ومن هنا كان الواجب على كل مكلف بعينه وهو يمارس حقه " أن يكون كل مكلف تحت قانون معين من تكاليف الشرع في جميع حركاته وأقواله واعتقاداته؛ فلا يكون كالبهيمة المسيبة تعمل بهواها، حتى يرتاض بلجام الشرع، وقد مر بيان هذا فيما تقدم، فإذا صار المكلف في كل مسألة عنت له يتبع رخص المذاهب، وكل قول وافق فيها هواه؛ فقد خلع ربقة التقوى، وتمادى في متابعة الهوى، ونقض ما أبرمه الشارع وأخر ما قدمه". الموافقات، 3/ 123.
والحاصل من هذا أن سلب المشروعية عن فعل صدر من المكلف أو إثباتها له رهن مدى مطابقة هذا الفعل لقصد الشارع من وضع الأحكام والتكليف بمقتضيات الشرع، فيكون قوام الحكم على الفعل هو ما ينجم عنه من من مصلحة غالبة تدعو إلى مشروعيته، أو مفسدة راجحة تحتم منعه وسد السبل المفضية إليه بقطع النظر عن تكييف أصل الفعل شرعا، وعلى قدر إفضاء الوسيلة إلى المصلحة يكون الحكم عليها بالمشروعية، وعلى قدر إفضائها إلى المفسدة تكون درجة منعها وحظرها، لأن قوة الطلب والمنع على قدر الدليل. " قواعد المقاصد عند الشاطبي للدكتور الكيلاني، ص: 359.
إن نظرية التعسف في استعمال الحق تمثل مقوما من مقومات الحكم على أفعال المكلفين، ذلك أنه إذا كان مآل الفعل معيارا موضوعيا يوازن به بين مصلحة أصل الفعل وبين ما يلزم عنه من المفاسد، فإن مقصد المكلف هو المعيار الذاتي والنفسي الذي يستجلى به باعث المكلف على ما صدر منه من أفعال.
ولا يفهم معنى الذي أنف إلا بالعودة إلى ما قرره الشاطبي رحمه الله من قواعد تندرج تحت أصل المآل ذلك أنه رحمه الله حين تناول اعتبار المآل وما يقوم عليه كاصل مقصدي، حدد مجموعة من القواعد التي هي في الحقيقة قواعد ترجيحية وليست أصلا بالمفهوم الأصولي لمعنى الأصل الذي هو الدليل أو ما يبنى عليه الحكم، وقد تناول ضمن هذا الأصل:
1 - قاعدة سد الذرائع.
2 - قاعدة الحيل.
3 - قاعدة الاستحسان.
4 - قاعدة مراعاة الخلاف.
ولا يهمنا هنا التفصيل في كل قاعدة على حدة، إنما الذي يهمنا هو الحديث عن قاعدة مراعاة الخلاف في علاقتها بالتعسف، ولا يستقيم الحديث عن هذا الموضوع دون الحديث عن علاقة مراعاة الخلاف بالاستحسان.
وبرجوعنا إلى ما كتبه الشاطبي رحمه الله عن الاستحسان في الاعتصام والموافقات، نجد أنه يقرر أن الاستحسان هو تقديم للاستدلال المرسل على القياس عن غلوه، ومبناه على اعتبار المآل في جلب المصالح أو درء المفاسد على الخصوص من خلال الاستثناء من الحكم العام الذي مقتضاه المنع، وهذا لا يخرج عن إطار التيسير الذي يندرج ضمن مقصدين جوهريين هما: المصلحة والعدل.
وقد قرر رحمه الله في الاعتصام أن مراعاة الخلاف هي من جملة الاستحسان، ووجه العلاقة هو أن الاستحسان استثناء من المنع إلى الإباحة للتوسعة أو اعتبارا للمصلحة أو الضرورة، أو اعتبارا للعرف، ومراعاة الخلاف هو إعمال دليل المخالف وترجيح له على دليل المذهب، والذي اقتضى هذا الترجيح هو الحفاظ على المصلحة التي ستفوت وهي أكبر من المفسدة التي من أجلها كان المنع إذا ما قورنت بها، فمتى رأى المجتهد أن تعدية الحكم بالمنع بعد وقوع الفعل مؤداه إلى مناقضة قصد الشارع عدل عن دليله إلى دليل آخر تحريا لمقصد العدل.
¥