ـ[يوسف حميتو]ــــــــ[10 - صلى الله عليه وسلمpr-2010, مساء 09:29]ـ
التعسف في استعمال الحق-
1 - مفهوم الحق: لن ندخل هنا في البحث عن تعريف الحق، ذلك أن القدامى من الفقهاء لم يعنوا كبير عناية ببيان مفهوم الحق لوضوحه عندهم استنادا إلى المعاني اللغوية وإن كان الأصوليون تناولوه ضمن مباحث المحكوم به، لكن الفقهاء المعاصرين وفي ظل التطورات العصرية الحديثة، وأهم من عني بهذا الأمر الدكتور فتحي الدريني، وخاصة في كتابه: " الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده ".أورد الدكتور فتحي الدريني تعريفا متعددة وضعها عدد من الفقهاء المعاصرين لمفهوم الحق، ترددت بين كونه مصلحة في حد ذاته وكونه وسيلة إلى مصلحة، وبين كونه اختصاصا أو استيفاء، وكلها تعاريف تعقبها الدكتور الدريني ببيان أوجه القصور فيها، ليخلص في الأخير إلى تعريف جامع مانع في نظره، حيث يقول: " الحق اختصاص يقر به الشرع سلطة على شيء أو اقتضاء أداء من آخر تحقيقا لمصلحة معينة " الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده: 193.والبحث يتبنى هذا التعريف لكونه يتماشى مع السياق العام للمبحث الذي نحن بصدده، وهنا لا بد من إيراد التحليل الذي وضعه الدكتور الدريني لتعريفه بتصرف يسير:
- اختصاص: هو انفراد أو استئثار، وعلاقة بين المختص والمختص به الذي قد يكون هو الله تعالى، وقد يكون شخصا حقيقيا أو معنويا، وهو بذلك لا يعتبر الإباحة أو الرخصة، مما هو مباح للعموم الانتفاع به دون استئثار.
- يقر به الشرع: أي أن هذا الاختصاص شرعي، بمعنى أن الاختصاص الواقعي مفتقر إلى إقرار الشرع له، ومثال ذلك أن الغاصب ليس بمالك للمغصوب رغم كون الحيازة متحققة في الواقع، فلا يعطيه الشرع حق التصرف في المغصوب لأنه ليس في ملكه شرعا، والاختصاص الشرعي مقيد كذلك بحتمية ألا يكون في تصرف المختص بالحق إضرار بالغير.
- سلطة على شيء أو اقتضاء أداء من آخر: ومعنى ذلك أن هذا الاختصاص يمكن المختص سلطة شرعية على ما اختص به كحق المالك فيما يملكه، وحق الدائن في ما أخذه المدين، وحق الراهن في ما أخذه المرتهن، ومنفعة الأجير ....
- تحقيقا لمصلحة معينة: فصاحب الحق مطلوب منه أن يتغيى تحقيق المصلحة التي من أجلها اختُصَّ به، فمتى وقع منه ما يخالف ما قصده الشارع انتفت المشروعية عن سلطته في استعمال حقه ووجب تقييده.
2 - التعسف في استعمال الحق: قال الشاطبي رحمه الله: " لما ثبت أن الأحكام شرعت لمصالح العباد كانت الأعمال معتبرة بذلك لأنه مقصود الشارع فيها كما تبين، فغذا كان الأمر في ظاهره وباطنه على أصل المشروعية فلا إشكال، وإن كان الظاهر موافقا، والمصلحة مخالفة فالفعل غير صحيح وغير مشروع، لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها، وإنما قصد بها أمور هي معانيها وهي المصالح التي شرعت لأجلها، فالذي عمل من ذلك على غير هذا لوضع فليس على وضع المشروعات "الموافقات: 2/ 385.بهذه المقالة يلخص الشاطبي رحمه الله نظرية التعسف في استعمال الحق ضمن إطار تاصيله لقاعدة مراعاة المآل، فهو رحمه الله يربط التعسف بمبدأ التعدي بطريق التسبب، وهذا معيار ذاتي ينضاف إليه معايير موضوعية تتمثل في إحداث الضرر دون قصد من الملكف ولا نية، وذلك في إطار الموازنة بين المصلحة والضرر، والمقارنة بين الأضرار. التعسف في استعمال الحق في ضوء القانون المغربي: الدكتور محمد رياض: 143.هذه الموازنة والمقارنة هي بغرض مراعاة المقاصد التي توخى الشارع تحقيقها، والتي يزيدها وضوحا قول الشاطبي: " النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم علي فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالأقدام أو بالإحجام إلا بعد نظرة إلي ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون مشروعا لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل علي خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسده تنشأ عنه، أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل علي خلاف ذلك. فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدي استجلاب المصلحة فيه إلي مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعا من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذ أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدي استدفاع المفسدة إلي مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا انه عذب المذاق، محمود الغب، جار علي مقاصد الشريعة " 4/ 194 - 195.
ويزيد ما ذكرناه آنفا وضوحا أن الأفعال الإنسانية الماذون فها وما ينشأ عنها متعلقة بضرورة موافقة قصد المكلف لقصد الشارع وفق ضابط محدد يبينه الشاطبي بقوله: " وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة، فإن صحت في ميزانها فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة فاعرضها في ذهنك على العقول، فإن قبلتها فلك أن تكلم فيها إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم، وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ، فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية " 4/ 191.
فإذا كان يترتب على فعل ما ضرر ما لجهة ما، وسوا كانت النية المستفادة من القرائن الحالية أنه قصد به الإضرار فهذا التعسف يجب أن يدرأ، أو كان الضرر دون نية إحداثه فهذا أيضا يستوجب الدرء، على اعتبار أن مناقضة قصد الشارع في تصرف مأذون فيه شرعا فهو باطل." (نظرية التعسف في استعمال الحق للدكتور فتحي الدريني: 57)، وذلك بناء على قاعدة: " كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة ". الموافقات
¥